وعد بلا خريطة طريق
ﺧﻔﺾ اﻟﺪﻳﻦ ﺑين اﻟﻄﻤﻮح وﺻﻤﺖ المسئولين
أثار تصريح رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى بشأن خفض الدين العام إلى مستويات تاريخية لم تشهدها مصر منذ نحو 50 عاماً موجة واسعة من التفاعل والجدل، ما بين من اعتبره إنجازاً اقتصادياً وشيكاً، ومن تلقاه بوصفه وعداً سياسياً فضفاضاً يفتقر إلى التفاصيل. ويأتى هذا الجدل فى وقت يعد فيه ملف الدين العام أحد أخطر التحديات الهيكلية التى تواجه الاقتصاد المصرى، نظراً لتأثيره المباشر على الموازنة العامة، وسعر الصرف، ومستويات التضخم، وقدرة الدولة على توجيه الإنفاق نحو التعليم والصحة والاستثمار الإنتاجى.
ورغم أهمية التصريح ودلالاته، فإن غياب إعلان حكومى واضح ومفصل عن آليات خفض الدين، وجداوله الزمنية، وأدواته التنفيذية سواء عبر زيادة الناتج المحلى، أو خفض الاقتراض، أو إعادة هيكلة الالتزامات فتح الباب واسعاً أمام التأويلات، وأدى إلى خلط متعمد أحياناً بين خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى وخفض الدين الإجمالى نفسه.
فى ضوء عدم إعلان الحكومة عن خطة واضحة ومفصلة لخفض الدين العام، ظهرت على الساحة تفسيرات واجتهادات متعددة حول السبل الممكنة لتحقيق هذا الهدف، وسُجلت بعض الأمثلة فى الإعلام والصحافة الاقتصادية المصرية والعربية. فقد نشرت بعض التحليلات الاقتصادية اقتراحات غير رسمية من محللين حول طرح أراضٍ واستغلال موارد غير مستغلة فى الساحل الشمالى أو البحر الأحمر لتحقيق موارد مالية قد تساعد فى تخفيض الدين، وهو طرح يتكرر فى النقاشات الاقتصادية لكنه لا يستند إلى خارطة طريق صادرة عن الحكومة.
طرح بعض الخبراء الاقتصاديين أفكاراً أكثر تجذراً مثل إعادة هيكلة أصول كبرى أو إعادة تنظيم ملكية بعضها مقابل معالجة عبء الديون، وهو أمر احتل مساحة فى التحليل الإعلامى لكنه بقى اجتهادات شخصية أو تصورات تحليلية، لا تصريحات رسمية ملزمة من السلطة التنفيذية.
فى سياق الجدال الدائر حول كيفية التعامل مع الدين العام، برز رأى اقتصادى وتحليلى واضح من الدكتور يوسف بطرس غالى، وزير المالية الأسبق والخبير الدولى، الذى انتقد بشدة بعض المقترحات التى ظهرت فى النقاشات حول «تصفير الدين» أو تلافى عبء الخدمة عبر ربطه ببيع أصول الدولة.
غالى وصف مقترحات مبادلة الديون بأصول الدولة أو حصص فى شركات عامة بأنها ترتكز على فهم خاطئ لطبيعة العمل الاقتصادى والمالى، مؤكداً أنه لا يمكن التعامل مع ديون الدولة كما لو كانت أصولاً يمكن مقايضتها بسهولة، ولا يمكن أن تتحول الديون إلى أسهم أو ممتلكات تغطى حقوق الدائنين أو المودعين دون سيولة نقدية حقيقية.
وأشار فى تصريحات تليفزيونية إلى أن أزمة الديون مشكلة عالمية تواجه العديد من الدول النامية، وأن الحلول «الاختزالية» مثل بيع الأصول أو مبادلة الدين بأصول غير قابلة للتداول ليست مجربة عملياً فى تجارب الدول الأخرى، مما يجعلها أفكاراً غير قابلة للتنفيذ وليست حلولاً مستدامة.
كما شدد بطرس غالى على أن الحلول الحقيقية لمعالجة عبء الديون تكمن فى سياسات اقتصادية تقليدية مثل زيادة معدلات النمو، تعزيز التصدير، جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، والسيطرة على التضخم بدل الاعتماد على أفكار غير مدروسة قد تثير توقعات غير واقعية لدى الجمهور.
فى المحصلة، لا تكمن الإشكالية فى تصريح رئيس الوزراء عن خفض الدين بحد ذاته، ولا فى الطموح المعلن للوصول إلى معدلات تاريخية، وإنما فى غياب الإطار التنفيذى الواضح الذى يحوّل هذا الطموح إلى سياسة عامة قابلة للفهم والقياس والمحاسبة. فالدين العام، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الاقتصادى، لا يحتمل أن يُدار بمنطق الرسائل العامة أو العناوين العريضة، بل يتطلب شفافية استباقية تُحدد الأدوات، والجداول الزمنية، وحدود المخاطر، وما هو مستبعد قبل ما هو ممكن.