حكم بيع السلع قبل تملكها وقبضها
من المقرر شرعًا أن المعاملة المسؤول عنها تُعدّ من قبيل عقد السلم الجائز شرعًا، وليست من بيع السلع قبل تملكها المنهي عنه، إذا تم الالتزام بضوابط السلم وشروطه، فلا بد من معرفة جنس الشيء المُسْلَم فيه، وبيان صفتها وصفًا دقيقًا يرفع أي جهالة عنها؛ بأن يبيّنها من حيث النوع والجودة والحجم، وسائر المواصفات الرافعة للجهالة والنزاع، مع الاتفاق على موعد التسليم تحديدًا.
حكم بيع السلع قبل تملكها وقبضها
وبيع السلع غير المملوكة للبائع وقت التعاقد الموصوفة بأوصاف تنفي الجهالة عنها، هو من قبيل السَّلَمِ أو السَّلَفِ، وهو عبارة عن بيع شيءٍ موصوف في الذمة ببدلٍ يُعطى عاجلًا، بمعنى: أنَّ المشتري يدفع ثمنَ المَبِيع مقدَّمًا للبائع، على أن يقوم البائع بتسليم المَبِيع في وقت لاحِقٍ محدد متفق عليه، وبمواصفاتٍ معلومةٍ واضحةٍ معيَّنةٍ لهذا المَبِيع ينتفي معها الجهالة والغرر، وهذه خاصته المتفق عليها، وقد سُمي سَلَمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسَلَفًا لتقديم رأس المال؛ كما في "رد المحتار" للعلامة ابن عابدين الحنفي (5/ 209، ط. دار الفكر)، و"الشرح الصغير" للإمام أبي البَرَكَات الدَّرْدِير المالكي (3/ 261، ط. دار المعارف)، و"مغني المحتاج" للخطيب الشربيني الشافعي (3/ 3-4، ط. دار الكتب العلمية)، و"كشاف القناع" للعلامة البُهُوتِي الحنبلي (3/ 285، ط. دار الكتب العلمية).
والسلم من العقود التي أباحتها الشريعة الإسلامية، والأصل فيه قبل الإجماع قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "نَزَلَتْ هذه الآية فِي السَّلَمِ خاصة"، كما في "جامع البيان" للإمام ابن جَرِير الطَّبَرِي (5/ 70، ط. دار هجر).
ولما رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
وثبت الإجماع على مشروعية السَّلَم لحاجة الناس إليه؛ كما أفاده الإمام الكمال بن الهمام في "فتح القدير" (7/ 71، ط. دار الفكر).
بيع السلع
قال الإمام ابن قُدَامَة الحنبلي في "المغني" (4/ 207، ط. مكتبة القاهرة): [ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتَكْمُل، وقد تُعْوِزُهُم النفقة، فجوز لهم السَّلَم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص] اهـ.
ولا يدخل السلم في بيع ما ليس عند الإنسان المنهي عنه في الحديث الذي رواه أصحاب "السنن" عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه أنه قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي، أَفَأَبْتَاعُهُ لَهُ مِنَ السُّوقِ؟ فَقَالَ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»؛ لأن النهي يختص ببيع شيء معين بذاته لا يملكه البائع وقت العقد، أما السلم فهو عقد على شيء موصوف في الذمة وليس على عين قائمة، حيث يلتزم البائع بتسليمه مستقبلًا بالمواصفات المتفق عليها:
قال الإمام الشافعي في "الأم" (5/ 174، ط. دار المعرفة): [إذا احتمل الحديثان أن يُستعملا لم يُطرح أحدهما بالآخر... نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيم بن حزام رضي الله عنه عن بيع ما ليس عنده، وأرخص في أن يسلف في الكيل المعلوم إلى أجل معلوم] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض