الخروج من عصر الضبط النووى
واشنطن وموسكو ..تصاعد المخاوف من سباق تسلح ثلاثى
يقترب العالم من لحظة مفصلية فى تاريخ الأمن الدولى مع نهاية آخر اتفاقية قائمة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، فى تطور يضع أكبر ترسانتين نوويتين فى العالم بلا أى قيود رسمية للمرة الأولى منذ اكثر من خمسين عامًا، ما يثير مخاوف واسعة من سباق تسلح نووى غير مسبوق.
ومن المفترض أن معاهدة ستارت الجديدة تنتهى اليوم وهو ما يعنى فعليًا إلغاء جميع القيود التى كانت تفرض سقفا لإعداد الرءوس النووية ووسائل إطلاقها لدى موسكو وواشنطن. ويرى خبراء ودعاة الحد من التسلح أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار العالمى وزيادة مخاطر المواجهة النووية.
وكان الرئيس الروسى فلاديمير بوتين قد أعلن عن استعداده للالتزام بحدود المعاهدة لمدة عام إضافى، شريطة أن تلتزم الولايات المتحدة بالمثل، فى محاولة لكسب الوقت والتوصل إلى اتفاق بديل. إلا أن الرئيس الامريكى دونالد ترامب لم يقدم حتى الآن أى التزام واضح بتمديد الاتفاق أو الالتزام بقيوده بعد انتهاء صلاحيته.
وبحسب مسئول فى البيت الأبيض، فإن «ترامب» أعرب مرارا عن رغبته فى الإبقاء على القيود المفروضة على الأسلحة النووية، مع السعى فى الوقت نفسه إلى إشراك الصين فى محادثات الحد من التسلح. وأضاف المسئول أن الرئيس الأمريكى سيتخذ قراره النهائى بشأن هذا الملف وفقا لما وصفه بجدوله الزمنى الخاص.
فى المقابل، رفضت الصين بشكل قاطع أى محاولات لفرض قيود على ترسانتها النووية، معتبرة أن قدراتها اقل بكثير من نظيرتيها الأمريكية والروسية، رغم أنها تشهد نموًا متسارعًا خلال السنوات الاخيرة.
من جانبه قال المتحدث باسم الكرملين ديمترى بيسكوف إن انتهاء القيود النووية سيجعل العالم أكثر خطورة، محذرا من غياب اى ضوابط تنظم المخزونات النووية الأمريكية والروسية. وتنسجم هذه التصريحات مع تحذيرات متكررة أطلقها دعاة الحد من التسلح من أن سقوط معاهدة ستارت الجديدة قد يؤدى إلى سباق تسلح جديد، ويزيد من حالة عدم الاستقرار الدولى، ويرفع احتمالات اندلاع صراع نووى.
من جهته، قال داريل كيمبال، المدير التنفيذى لجمعية الحد من التسلح فى واشنطن، إن عدم الاتفاق على الحفاظ على حدود المعاهدة من المرجح أن يشجع على نشر أعداد اكبر من الاسلحة النووية. واكد فى تصريحات لوكالة أسوشيتد برس أن انتهاء صلاحية المعاهدة يتيح للطرفين، وللمرة الاولى منذ نحو 35 عامًا، زيادة عدد الأسلحة النووية المنتشرة لديهما، محذرا من أن ذلك قد يفتح الباب أمام سباق تسلح ثلاثى خطير وغير مقيد يشمل الولايات المتحدة وروسيا والصين.
كما حذر كينغستون ريف، نائب مساعد وزير الدفاع الامريكى السابق والباحث فى مؤسسة راند، من أن غياب القيود والقدرة على التنبؤ قد يدفع كل طرف إلى التخطيط لأسوأ السيناريوهات، أو زيادة ترساناته النووية المنتشرة لإظهار القوة والعزيمة، أو للحصول على اوراق ضغط تفاوضية.
ومنذ اندلاع الحرب فى اوكرانيا لوح بوتين مرارا باستخدام القوة النووية، مؤكدا أن روسيا مستعدة لاستخدام جميع الوسائل لحماية مصالحها الامنية. وفى عام 2024، وقع الرئيس الروسى عقيدة نووية منقحة خفضت عتبة استخدام الاسلحة النووية، ما زاد من قلق الغرب بشان احتمالات التصعيد.
معاهدة ستارت الجديدة، التى تم توقيعها عام 2010 بين الرئيس الامريكى الأسبق باراك أوباما ونظيره الروسى حينها ديمترى ميدفيديف، حددت سقفا لامتلاك كل طرف بما لا يزيد عن 1550 رأسًا نوويًا منتشرًا، و700 صاروخ وقاذفة جاهزة للاستخدام. وكان من المفترض أن تنتهى المعاهدة عام 2021، قبل أن يتم تمديدها خمس سنوات اضافية.
وشملت المعاهدة نظامًا صارمًا للتفتيش الميدانى للتحقق من الالتزام ببنودها، إلا أن عمليات التفتيش توقفت عام 2020 بسبب جائحة كوفيد ولم تستأنف لاحقا.
وقالت روز غوتيمولر، كبيرة المفاوضين الأمريكيين السابقين بشأن الاتفاقية ونائبة الأمين العام السابقة لحلف الناتو، إن تمديدها كان سيخدم المصالح الأمريكية، مؤكدة أن التمديد المؤقت لن يعوق الخطوات الأمريكية لمواجهة التسلح النووى الصينى.
قال ديمترى ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسى حاليا، إن غياب الاتفاقات النووية سيدفع روسيا إلى الرد بحزم على اى تهديدات جديدة، مشيرا إلى أن موسكو ستتصرف بشكل متناسب لاستعادة ما وصفه بالتكافؤ الاستراتيجى.
وخص ميدفيديف بالذكر مشروع القبة الذهبية للدفاع الصاروخى الذى اقترحه «ترامب»، معتبرا انه قد يؤدى إلى زعزعة الاستقرار الاستراتيجى، نظرا للترابط الوثيق بين الأسلحة الهجومية والدفاعية.
وحذر كيمبال من أن هذا المشروع يثير قلق روسيا والصين، مرجحا أن يدفعهما إلى زيادة عدد الاسلحة الهجومية القادرة على إغراق أى نظام دفاعى، مؤكدا أن تطوير القدرات الهجومية أسرع واقل كلفة من بناء الانظمة الدفاعية.
ويخلص خبراء إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية المتسارعة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، مع تزايد الأنفاق العسكرى وغياب الثقة، محذرين من أن هذه اللحظة قد تمثل نقطة تحول نحو اخطر حقبة نووية لم يشهدها الجيل الحالى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض