ضحكة فى وجه الموت.. «أبوأمجد» يحول ركام غزة إلى كوميديا مقاومة
فى أقصى جنوب قطاع غزة، يعيش أبوأمجد فرج الله أحمد تجربة لا يمكن اختزالها فى كلمة نزوح، الرجل الذى فقد منزله ومصدر رزقه لم يكتف بالصمود السلبى، بل اختار أن يواجه القهر اليومى بأسلوب مختلف، أن يحول الخيمة إلى مسرح، والخوف إلى ضحكة، واليأس إلى رسالة إنسانية تصل من غزة إلى العالم.
قبل الحرب، كانت حياة أبوأمجد بسيطة وواضحة المعالم، بيت صغير يؤويه مع أسرته، ومحل متواضع يبيع فيه الدواجن، يكفيه لتأمين احتياجات أسرته، لم يكن يتوقع أن يمحى كل ذلك فى لحظة، وأن يصبح هو وعائلته جزءاً من مشهد النزوح الجماعى، حيث الانتظار الطويل للماء والطعام، والخصوصية الغائبة، والخيام التى لا تحمى من برد ولا من خوف.
لكن ما لم يستطع القصف أن يطاله، هو قدرته على تحويل الألم إلى مقاومة ناعم، ضحكة أبوأمجد ليست هروباً من الواقع، بل مواجهة له، يقول بنبرة تجمع بين السخرية والمرارة: «نحن تجاوزنا مرحلة الخوف، الخطر صار جزءاً من يومنا، مثل أى روتين»، بالنسبة له، الضحك خيار واعٍ، وسيلة ليؤكد أن الإنسان لا يفقد إنسانيته حتى فى أقسى وأصعب الظروف.
علاقته بالكاميرا لم تبدأ مع الحرب، بل تعود إلى فترة كورونا، حين لجأ إلى السخرية من التعليم الإلكترونى والحجر الصحى، ووجد فى التفاعل مع الناس متنفساً له ولهم، تلك التجربة، التى بدت مؤقتى وقتها، تحولت لاحقاً إلى أداة بقاء حقيقية فى زمن الحرب، حيث أصبحت الكوميديا السوداء لغته الأساسية لنقل ما لا تستطيع الكلمات المباشرة قوله.
لا يظهر وحده أبوأمجد وحدى مقاطع الفيديو الساخرة ولكن تظهر معه ريم، طفلته الصغيرة، تشاركه الحضور بروحها العفوية وملامحها البريئة، لم تكن مجرد إضافة بل صوتاً صادقاً يعكس وجع غزة بلغة يفهمها الجميع، يتحدث عنها بفخر واضح، ويقول إنها كانت تمسك الهاتف وتتحدث بطريقتها منذ سن مبكرة، وأن أول فيديو شاركت فيه حقق انتشاراً واسعاً دون تخطيط لذلك أو تمثيل.
وجد أبوأمجد فى الكاميرا نافذته الأخيرة على العالم، يصور البحث عن الماء بين الخيام، محاولاً أن يصنع من التفاصيل القاسية مشاهد تحمل حياة رغم القهر.
المخاطر لا تغيب، سواء أثناء التصوير أو بدونه، وحين يمازحه البعض بأن مقاطعه قد تثير غضب الاحتلال، يرد بهدوء: «الخطر موجود فى كل الأحوال، لا فرق بين أن نصور أو لا نصور»، أما التحديات التقنية، من انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، فتجبره أحياناً على السير مسافات طويلة فقط لرفع فيديو واحد، فى عملية شاقة لكنها، من وجهة نظره، تستحق العناء.
بالنسبة لأبو أمجد، الضحك ليس ترفاً ولا إنكاراً للمأساة، بل هو اعتراف بها بطريقة إنسانية مختلفة، يضحك ليقول إن خلف كل مشهد ساخر حكاية فقد، وخلف كل ضحكة وجع عميق، لكنه وجع لا يزال قادراً على الحياة.