مبين
يسير الزائر إلى جناح الهيئة العامة فى معرض الكتاب، ممتلئًا بالطموحات، مستندًا إلى كلمات الوزير فى الافتتاح عن «مكتبة لكل بيت». يتخيّل رفوفًا كثيرة، تسمح له بتحقيق حلمه فى اقتناء مكتبة صغيرة لكن حقيقية. يظن أن المبادرة تعنى إتاحة المعرفة لا تقييدها. لكن الواقع جاء صادمًا.
المفاجأة الأولى كانت حين قيل له، بلا مواربة، إن الاختيار محصور فيما هو موضوع على المنضدة فقط. لا رفوف، لا تنقّل، لا بحث، لا فرح ولا دهشة؛ منضدة واحدة تُقدَّم باعتبارها «مكتبة»، وهنا يتقاطع شعور القارئ بالأمل مع الخيبة؛ هل هذا حقًا ما يُقصد به مكتبة لكل بيت؟ وهل يمكن لمبادرة ثقافية أن تُختصر فى مساحة لا تتسع إلا لمنضدة واحدة؟
يستسلم الزائر للأمر الواقع؛ لكنه لا يقطع العشم فى إمكانية الاستفادة من المبادرة؛ لتباغته الصدمة الثانية عند المرور بين الكتب على المنضدة؛ فكل ما عليها كتيبات نقدية صغيرة عن نجيب محفوظ،، بعضها لا يتجاوز عشرين أو ثلاثين صفحة. والمعرض هنا يضع العربة أما الحصان؛ فيطلب من القارئ الاطلاع على إصدارات نقدية لأعمال هو لا يملكها من الأساس وربما لم يقرأها أيضًا، ويقول له اقرأ نقدها!!. ليجد القارئ ـ الذى جاء حاملاً آماله بعد ما حمسته توصيات الوزيرـ نفسه أمام عناوين تخص فكرة واحدة، وكأن الثقافة اختزلت فيها، فتقع كل طموحاته فى فخ محدودية الاختيار.. ويبدو الشعار أمام عقله أكبر كثيرًا من المحتوى الذى يراه بعينيه.
فالخدعة هنا مزدوجة؛ أولًا، وعد شعاراتى كبير عن مكتبة لكل بيت؛ ثانيًا؛ ممارسة ضيقة لا تترك للقارئ سوى وهم الاختيار. فالزائر الذى جاء يبحث عن المعرفة، وجد نفسه أمام مشهد شكلى يفرغ الفكرة من معناها، ويحوّل المبادرة إلى أداء بروتوكولى ودعائى للمعرض لا أكثر.
وأنا أعيش تجربة هذا الزائر؛ لا أستطيع إلا أن استدعى تجربتى مع مشروع القراءة للجميع، والذى تشكّلت مكتباتنا الأولى على أكتافه. فلم تكن منضدة ولا اختيارًا مفروضًا، بل مواسم كاملة من الاكتشاف. قرأنا روايات كاملة لنجيب محفوظ، وأعمالًا لطه حسين وتوفيق الحكيم وجمال الغيطانى، وكتبًا فى التاريخ والفكر والتراث، وصنعنا لأطفالنا مكتباتهم الخاصة من أدب الطفل. كانت العناوين كثيرة، مختلفة، ومتاحة، وتُباع بأسعار رمزية لا تتجاوز الجنيهات القليلة.
«القراءة للجميع» لم يفرض علينا اتجاهًا بعينه، ولم يختصر الثقافة فى اسم واحد مهما كان كبيرًا. فاخترنا، وبدّلنا، وصنعنا الأرفف كتابًا فوق كتاب، حتى صار للبيوت قلوبًا من ورق ووعى. لذلك يبدو الفارق اليوم مؤلمًا بين تنفيذ الفكرتين؛ هناك مشروع آمن بالثقافة فصنع منها مكتبة، وهنا مبادرة ترفع اسم المكتبة وتترك القارئ أمام منضدة متواضعة!!
وعلى كل ما أصابنى من إحباط وأنا أتفقد تلك المنضدة الفقيرة، فمازال يسكننى الأمل أن تعوض المبادرة القارئ المصرى خيرًا بعد أن تودع المعرض بكل مهامه الثقيلة، وأن تستمر طوال العام، لا خلال المعرض فقط، وأن تتحول من حضور موسمى إلى عمل ثقافى حقيقى ومتواصل، لكن؛ بعناوين متنوعة وقيمة، تصلح لأن تكون نواة مكتبة حقيقية فى كل بيت. فالمكتبة لا تُبنى بشعار، بل بإيمان فعلى بأن الكتاب قادر على أن يغيّر الإنسان.. سوف أتمسك بالأمل حتى النهاية.