رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحكمة من تكلم الأطفال في المهد وعلاقتها ببراءة الرسل والأولياء

بوابة الوفد الإلكترونية

قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، إن السُّنَّةُ النبويةُ الشريفةُ أوردت  عدةَ أحاديثَ تكلَّم فيها أطفالٌ وهم لا يزالون رُضَّعًا في المهد، وكان تكلُّمُ هؤلاء الأطفال دليلَ براءةٍ للرُّسُل أو لأولياءِ الله الصالحين تارةً، وتعليمًا وتثبيتًا للناس على الحق تارةً أخرى. ومن أمثال ذلك: شاهدُ يوسف، وابنُ ماشطةِ فرعون، والطفلُ الرضيعُ في قصةِ أصحابِ الأخدود.

الحكمة من تكلم الأطفال في المهد

وأوضح جمعة أن أحدُ الأحاديث أجمع قصةَ ثلاثةٍ ممن تكلَّموا في المهد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «تكلَّم في المهد ثلاثة: عيسى. وكان في بني إسرائيل رجلٌ يقال له: جُرَيْج، كان يصلي، فجاءتْه أمُّه فدعته، فقال: أأجيبها أم أُصلِّي؟ فقالت: اللهم لا تُمِتْه حتى تُريه وجوهَ المومسات. وكان جريجٌ في صومعته، فتعرَّضتْ له امرأةٌ وكلمته، فأبى، فأتتْ راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: من جريج. فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبُّوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي. قالوا: نبني لك صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين.

وكانت امرأةٌ تُرضِع ابنًا لها من بني إسرائيل، فمر بها رجلٌ راكبٌ ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصُّه. قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يمص إصبعه. ثم مرَّ بأَمَةٍ فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبارٌ من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون: سرقت، زنت، ولم تفعل». (صحيح البخاري).

وأضاف مفتي الجمهورية الأسبق أن الحديثُ يشير إلى الإيمان بخوارق العادات من المعجزات والكرامات التي جعلها الله تعالى دلالةً على صدق رسله، وصلاح أوليائه، ونجاةً لهم من ظلم الناس. ولكن بجانب ذلك نرى في الحديث معانيَ أخرى، وخيوطًا رابطة، ودقائقَ خفيةً من وراء القصص المذكورة فيه؛ منها—على سبيل المثال—الدلالةُ على دور الأم وعِظَم حقها، وضرورةُ طلب رضاها وبرِّها، والتأكيدُ على أن هذا الواجب من أعظم الواجبات التي يبتغي بها المرءُ وجهَ الله تعالى.

فذكرُ عيسى عليه السلام يشير إلى دور السيدة مريم أمه في نشأته ورعايته، وما كان من تكلُّمِه في المهد دفاعًا عنها، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ۝ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ۝ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ۝ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: 29–32]. وفي إجابة دعاء أم جريجٍ عليه—مع كونه شُغِل عنها بصلاته—ما يفيد أن إجابةَ طلبها وبرَّها مقدَّمٌ على نوافل العبادات، خاصةً إن علم الإنسانُ تأذيَ والدته بعدم إجابة طلبها.

وفي دعاء المرأة في القصة الثالثة لولدها أن يعطيه الله تعالى ما ظنَّتْه خيرًا له، ويصرف عنه ما ظنَّتْه شرًّا له، إشارةٌ إلى شدة حرص الأم على ولدها ورعايتها له، وطلبها لصلاحه في الدنيا.

ويدلنا ردُّ طفلها عليها بعكس ما دعتْ به على أن نفوس أهل الدنيا تقف مع ظواهر الأمور، ويطلبون عادةً الخيرَ في الدنيا، أما أهل الحق فإنهم يرون ما لا يراه الناس فيطلبون صلاحَ الآخرة. ومثل ذلك قوله تعالى في شأن قارون وقومه: ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: 79–80]. ومعرفةُ المؤمن بهذا الأمر تجعله **ذو** قلبٍ راضٍ بما يأتيه به الله، وإن بدا على صورةٍ غير التي يحب، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].