رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

السلام «الكاذب».. سلاح «ترامب» لاحتلال غزة

بوابة الوفد الإلكترونية

للمرة الأولى.. الكيان الصهيونى يعترف بحصيلة ضحايا الإبادة

 

اعترف الاحتلال الإسرائيلى للمرة الأولى أمس بإحصاءات وزارة الصحة فى قطاع غزة، التى تشير إلى أكثر من 70 ألف شهيد فلسطينى منذ اندلاع الإبادة فى السابع من أكتوبر 2023. وقالت صحيفة «هآرتس» العبرية: «الاحتلال قبل بتقديرات وزارة الصحة فى غزة والتى تفيد باستشهاد حوالى 70 ألف فلسطينى خلال حرب إسرائيل فى القطاع».

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا العدد لا يشمل السكان المفقودين الذين يحتمل أن يكونوا مدفونين تحت الأنقاض. وبحسب آخر إحصائية تراكمية أعلنت عنها وزارة الصحة فى القطاع فقد بلغ عدد الشهداء 71,667، فى حين بلغ العدد التراكمى للإصابات: 171,343 وذلك منذ السابع من أكتوبر 2023. ومن بين إجمالى الشهداء فقد ارتقى منذ وقف إطلاق النار فى 11 أكتوبر الماضى 492 شهيدا، فيما بلغ عدد المصابين 1.356 إضافة لانتشال 715 شهيدًا من تحت الأنقاض.

وتوجهت سيارات الصليب الأحمر عبر معبر «كيسوفيم» لاستلام 15 جثمانا لأسرى فلسطينين مقابل جثة آخر إسرائيلى بغزة، وذلك فى إطار صفقة التبادل مع الاحتلال.

ويواجه قطاع غزة خطرا متصاعدا بالتحول من ساحة حرب إلى نموذج مكتمل للتهجير القسرى طويل الأمد، تحت غطاء سياسى وإنسانى يحمل اسم «مجلس السلام» الهيئة التى تقودها الولايات المتحدة برئاسة دونالد «ترامب» ويروج لها باعتبارها إطارا لإدارة غزة وإعادة إعمارها بعد الحرب.

 وكشف موقع «ذا إنترسبت» الأمريكى عن أن إعلان تشكيل «مجلس السلام» جاء بمشاركة شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، من بينهم «تونى بلير، وماركو روبيو، ورئيس البنك الدولى أجاى بانغا» إلى جانب ممولين كبار مثل مارك روان الرئيس التنفيذى لشركة «أبولو جلوبال مانجمنت».

وأشار إلى إعلان دول عدة، بينها الإمارات والمغرب وكندا وفيتنام، استعدادها للمشاركة فى أنشطة المجلس غير أن هذا الإعلان، الذى حظى بتغطية واسعة فى الصحافة الغربية، تجاهل حقيقة جوهرية: المجلس لم يكن ثمرة تسوية سياسية أو مفاوضات متوازنة، بل جاء فى سياق فرض وقائع جديدة على الأرض فى غزة.

ومؤخرا، أعلن المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، رغم عدم تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، وفى مقدمتها إدخال المساعدات الإنسانية بشكل كامل، ووقف الاجرام الصهيونى وتوفير الحد الأدنى من الإغاثة والسكن للنازحين.

وبالتوازى، جرى الإعلان عن مجلس تكنوقراطى «غير سياسى» لإدارة غزة من الداخل، فى وقت لم يتحقق فيه أى تحسن ملموس فى الواقع الإنسانى، ولم تُقدَّم أى ضمانات للفلسطينيين بشأن عودتهم إلى مناطقهم المدمّرة.

وقد تجاوزت التحركات الأمريكية- الإسرائيلية فعليا منطق وقف إطلاق النار. فبعد اجتماع جمع ««ترامب»» برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مُنح الضوء الأخضر لبدء إعادة إعمار رفح، بمعزل عن انسحاب الاحتلال أو نشر قوة استقرار دولية.

ووفق التوجيهات المعلنة، ستُنفذ مشاريع «الإعمار» فى مناطق محددة خلف ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وهى مناطق تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلى، بينما يُحظر البناء فى مناطق أخرى بذريعة استمرار وجود المقاومة.

وأكد الموقع الأمريكى أن فرض التقسيم الجغرافى فى قطاع غزة ليس إجراء تقنيًا، بل آلية إعادة هندسة سكانية، فمناطق واسعة من غزة، خصوصًا رفح وشرق القطاع وشماله، سُوِّيت بالأرض عمدًا خلال الحرب، ثم أُعلنت مناطق عازلة أو مناطق عمليات عسكرية، ما حال دون عودة سكانها.

ويعاد الآن، طرح هذه المناطق كمشاريع استثمارية وعقارية، ضمن رؤية يقودها مطورو عقارات سابقون مثل ويتكوف وجاريد كوشنر.وقد اقترن الخطاب الأمريكي–الإسرائيلى حول إعادة إعمار غزة منذ البداية بلغة الاستثمار.

وتحدث «ترامب» بنفسه عن «ريفييرا غزة» و«مدينة مثيرة» فى مقاربة تتعامل مع القطاع كأرض خالية قابلة لإعادة التطوير، لا كمكان يعيش فيه أكثر من مليونى إنسان. هذا المنطق يتجسد فى ما كشفته تقارير عن «مشروع شروق الشمس» الذى يهدف إلى إعادة بناء غزة بالكامل خلال عشر سنوات، وتحويل مدنها إلى «مدن ذكية» ومراكز بيانات ومناطق سياحية، بشرط أساسى: نزع سلاح المقاومة بشكل كامل.

ويمثل الشرط الأمنى مفتاحا للتهجير، فبحسب الخطة، فإن هدم البنية التحتية تحت الأرض يستلزم تدمير كل ما فوقها، أى تبرير الإبادة العمرانية الشاملة. 

رفح، التى كانت تضم أكثر من 170 ألف نسمة قبل الحرب، يعاد تصورها الآن كمدينة تتسع لأكثر من نصف مليون شخص، لكن ليس بالضرورة من سكانها الأصليين، بل ضمن نموذج سكنى خاضع للرقابة العسكرية وميليشيات محلية مرتبطة بالاحتلال.

وعلى الأرض، يناقض الواقع الصور الوردية التى تسوَق. المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر شبه خالية من السكان الفلسطينيين، وتحولت إلى مناطق قتل مغلقة.

والفلسطينيون المسموح لهم بالبقاء هم عناصر ميليشيات محلية تعمل بإشراف الجيش الإسرائيلى، بينما يُمنع المدنيون من العودة، أو يُدفعون نحو خيار «الهجرة الطوعية» إلى خارج القطاع.

فى موازاة ذلك، تتوسع السيطرة الإسرائيلية الفعلية. تصريحات وزير حرب الاحتلال الإسرائيلى «يسرائيل كاتس «حول عدم مغادرة غزة، وإمكانية إقامة مواقع «ناحال» فى شمال القطاع، تكشف النية الحقيقية: إعادة إنتاج الاستيطان بصيغة جديدة. كما أن توسيع الخط الأصفر والاستيلاء على مزيد من الأراضى، ومنع عمل منظمات الإغاثة، وتقييد المساعدات، كلها خطوات عملية لفرض واقع تهجير مستدام.

ولم يعد خطر التهجير القسرى فى غزة احتمالًا نظريا، بل مسار يتشكل عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية، تُغلَّف بخطاب «السلام وإعادة الإعمار».

فى هذا السياق، لا يبدو مجلس السلام إطارا لإنهاء الحرب، بل آلية لإدارتها بنتائج ديموغرافية دائمة: تفريغ الأرض، وإعادة توزيع السكان، وتحويل المأساة الإنسانية إلى فرصة استثمارية، على حساب الوجود الفلسطينى نفسه.