رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ميراث التابعين في تعظيم ليلة النصف من شعبان

ليلة النصف من شعبان
ليلة النصف من شعبان

تُعد ليلة النصف من شعبان موسمًا استثنائيًا للنفحات الربانية، تضافرت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على علو قدرها، وتواتر عمل السلف في مكة والشام على تعظيمها، وقد اتفقت المذاهب الفقهية المتبوعة على استحباب إحيائها بالقيام والدعاء وصيام نهارها، عادّين إياها ليلةً للبراءة والمغفرة وتدبير الأقدار؛ ممّا يوجب اغتنام ساعاتها تأسّيًا بالهدي النبوي وميراث السلف.

تعظيم ليلة النصف من شعبان

وسار التابعون ومن جاء بعدهم على هذا النهج القويم، موصين باغتنام هذه الليلة لِمَا فيها من إفراغ الرحمات وضمان الدرجات؛ وإليك بعض ما ورد عن التابعين ومَن بَعدَهُم:

كتب عمر بن عبد العزيز إلى عديّ بن أرطأة وهو عامله على البصرة: "أَنْ عَلَيْكَ بِأَرْبَعِ لَيَالٍ مِنَ السَّنَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُفْرِغُ فِيهِنَّ الرَّحْمَةَ إِفْرَاغًا: أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ رَجَبٍ، وَلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةِ الفِطْرِ، وَلَيْلَةِ الْأَضْحَى"؛ [كما ذكره العلامة قوام السنة في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٩٣، برقم (١٨٥١) ط. دار الحديث)، والحافظ ابن الجوزي في " لطائف المعارف (ص٣٢٧) ط. دار بن خزيمة].

وعن خَالِد بْن معدَان قَالَ: "خَمْسُ لَيَالٍ في السَّنَةِ؛ مَنْ وَاظَبَ عَلَيْهِن رَجَاءَ ثَوَابِهِنَّ وَتَصْديقًا بِوَعْدِهِنّ، أَدْخَلَهُ الله الْجَنَّةَ: أَوْلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ الْفِطْرِ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ الْأَضْحَى يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا، وَلَيْلَةُ عَاشُورَاءَ يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا"؛ [كما أورده أبو بكر الخلال في "فضائل شهر رجب" (ص: ٧٥، ط. دار ابن حزم)]. بل إن بعضهم قارب فضلها بليلة القدر، فعن عطاء بن يسار قال: "مَا مِنْ لَيْلَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفْضَلُ مِنْهَا -يَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ-؛ يَنْزِلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ أَوْ قَاطِعِ رَحِمٍ" [ذكره اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (٣/ ٤٩٩، ط. دار طيبة)].

التصنيف العلمي في خصائص ليلة النصف من شعبان

يدل على رسوخ فضل ليلة النصف من شعبان في وجدان الأمة وعقلها الجمعي، ذلك الاهتمام العلمي البالغ من قبل العلماء؛ وقد اعتنى العلماء بهذه الليلة المباركة؛ لما لها من الفضل، وزاد اعتناؤهم بها حتى أفردوا في فضلها وإحيائها وبيان خصائصها أجزاء حديثية ورسائل؛ منها: "ليلة النصف من شعبان وفضلها" للحافظ ابن الدبيثي صاحب "الذيل على تاريخ بغداد" (ت: ٦٣٧هـ)، و"الإيضاح والبيان لما جاء في ليلتي الرغائب والنصف من شعبان" للإمام ابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٤هـ)، و"التبيان في بيان ما في النصف من شعبان" للملا علي القاري (ت: ١٠١٤هـ)، و"فضائل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة سالم السنهوري (ت: ١٠١٥هـ)، و"رسالة في فضل ليلة النصف من شهر شعبان" للعلامة محمد حسنين مخلوف (ت: ١٣٥٥هـ)، و"حسن البيان في ليلة النصف من شعبان" للعلامة عبد الله بن الصديق الغماري (ت: ١٤١٣هـ)، و"ليلة النصف من شعبان في ميزان الإنصاف العلمي" للإمام الرائد الشيخ محمد زكي الدين إبراهيم (ت: ١٤١٩هـ)، وغيرها.


توارث العمل بإحياء ليلة النصف من شعبان

لقد تواترت الأخبار بنقل العمل على الاحتفاء بليلة النصف من شعبان عن السلف الصالح وأهل الحواضر الإسلامية كمكة والشام؛ فقد قال العلامة ابن الحاجّ المالكي: "وكان السلف رضي الله عنهم يُعَظِّمونها -أي: ليلة النصف من شعبان-، ويُشَمِّرُون لها قبل إتيانها، فما تأتيهم إلا وَهُمْ متأهِّبون للقائها، والقيام بحرمتها على ما قد عُلِمَ من احترامهم للشعائر على ما تَقَدَّم ذِكْرُه؛ هذا هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة" اهـ. [المدخل (١/ ٢٩٩، ط. دار التراث)]

وعن حال أهل مكة واجتهادهم، قال العلامة الفاكهي: "ذِكْرُ عمل أهل مكة ليلة النصف من شعبان واجتهادهم فيها لفضلها: وأهل مكة فيما مضى إلى اليوم؛ إذا كان ليلة النصف من شعبان خرج عامة الرجال والنساء إلى المسجد، فصلَّوا، وطافُوا، وأحيَوْا ليلتهم حتى الصباح بالقراءة في المسجد الحرام، حتى يختموا القرآن كله، ويُصلُّوا، ومَن صلَّى منهم تلك الليلة مائة ركعةٍ يقرأ في كل ركعة بـ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾-أي: الفاتحة-، و﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ -أي الإخلاص- عشر مرات، وأخذوا من ماء زمزم تلك الليلة، فشربوه، واغتسلوا به، وخبَّؤُوه عندهم للمرضى، يبتغون بذلك البركة في هذه الليلة، ويروى فيه أحاديث كثيرة" اهـ. [أخبار مكة (٣/ ٦٤، ط. دار خضر)]

كما أشار الحافظ ابن رجب إلى حال أهل الشام بقوله: "وليلة النصف من شعبان: كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها" اهـ. [لطائف المعارف (ص: ١٣٧، ط. دار ابن حزم)]


. الفقهاء على استحباب إحياء الليلة
ولم يقتصر الأمر على مجرد العمل، بل نَصَّ فقهاء المذاهب المتبوعة على استحباب إحياء هذه الليلة وتعظيمها؛ فعند الأحناف قال العلامة ابن نجيم الحنفي: "ومن المندوبات: إحياء ليالي العشر من رمضان، وليلتي العيدين، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان" اهـ. [البحر الرائق (٢/ ٥٦، ط. دار الكتاب الإسلامي)]

وأما عند المالكية، فقد قال العلامة ابن الحاج المالكي: "ولا شك أنها -أي: ليلة النصف من شعبان- ليلة مباركة عظيمةُ القدر عند الله تعالى.. وبالجملة: فهذه الليلة وإن لم تكن ليلةَ القدر فلها فضلٌ عظيمٌ وخيرٌ جسيمٌ" اهـ. [المدخل (١/ ٢٩٩)]

وقال الشيخ زروق: "وحديثُ صومِ شعبانَ رواه مسلمٌ، ورَوَى غيرُ واحدٍ قيامَ ليلة النصف منه" اهـ. [شرح على متن الرسالة (٢/ ٩٨٨، ط. دار الكتب العلمية)]

وفي المذهب الشافعي، نص الإمام الشافعي على فضلها بقوله: "إنَّ الدعاء يستجاب في خمس ليالٍ: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان" اهـ.[الأم (١/ ٢٦٤، ط. دار المعرفة)]

ومن المعلوم أن من مظاهر الإحياء: الدعاء، كما أوضح ذلك العلامة القليوبي الشافعي قائلًا: "يُندَب إحياء ليلتي العيدين بذكرٍ أو صلاةٍ، وأَوْلَاها: صلاة التسبيح، ويكفي مُعظَمُها؛ وأَقَلُّهُ: صلاة العشاء في جماعة، والعزم على صلاة الصبح كذلك، ومثلهما: ليلة نصف شعبان، وأول ليلة من رجب، وليلة الجمعة؛ لأنها مَحَالُّ إجابة الدعاء" اهـ. [حاشيته على شرح المنهاج (١/ ٣٥٩، ط. دار الفكر)]

وأما الحنابلة، فقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي الروايات عن الإمام أحمد بقوله: "ولا يُعْرَف للإمام أحمد كلامٌ في ليلة نصف شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه في رواية لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، واستحبَّها في رواية؛ لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف" اهـ. [لطائف المعارف (ص: ١٣٧)]

وقرر ذلك العلامة البهوتي الحنبلي ناقلًا عن ابن رجب قوله: "قال شيخنا: قيام بعض الليالي كُلِّها مما جاءت به السنة (إلا ليلة عيد)؛ لحديث: «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رواه الدارقطني في "علله"، وفي معناها: ليلة النصف من شعبان؛ ذكره ابن رجب في "اللطائف"" اهـ. [كشاف القناع (١/ ٤٣٧، ط. دار الكتب العلمية)]