أقلام على الطريق - تكتبه نهلة النمر
سارة عماد.. حين تكتب الكتابة الإنسان من الداخل
فى هذا الباب، لا نبحث عن الأسماء اللامعة بقدر ما نبحث عن الأصوات الصادقة؛ تلك التى تكتب لأنها لا تملك رفاهية الصمت، وتسير في دروب الكتابة بوعى إنسانى عميق، مؤمنة بأن الكلمة رحلة، وأن الطريق هو المعنى"أقلام على الطريق" مساحة مفتوحة للاقترب من تجارب أدبية تراهن على الجوهر، وتؤمن بأن الكتابة الحقيقية تبدأ من الداخل، وتمضي بخطى هادئة… لكنها واثقة.
ومن هذا المنطلق، نفتح اليوم نافذة على تجربة الكاتبة الشابة سارة عماد، التى تكتب الإنسان من الداخل، وتقترب من مناطق شديدة الخصوصية والصدق، حيث لا صخب ولا ادعاء، بل أسئلة معلّقة، ومشاعر متراكمة، ومحاولات دؤوبة للفهم قبل الحكى. فى نصوصها، لا تسعى سارة إلى تقديم إجابات جاهزة، ولا تُغرى القارئ بالحلول، بل تدعوه إلى التحديق طويلًا في ذاته، وإعادة النظر فيما اعتاد تجاوزه
– قبل أن نبدأ، دعينى أسألك؛ لماذا نكتب؟
– نكتب لأن هناك أشياء لا تُقال بصوتٍ عالٍ، لأن بعض الوجع لا يحتمل الخروج إلا على الورق.
– وهل كل كتابة وجع؟
– ليست وجعًا خالصًا، لكنها صِدق. والصدق غالبًا موجع.
بهذا المدخل يمكن للقارئ أن يقترب من تجربة الكاتبة الشابة سارة عماد، التى لا تكتب لتُبهر، ولا لتصنع بطولات ورقية، بل تكتب لتفهم. فهى فى مسارها الأدبى، لا تراهن على الزخرفة اللغوية بقدر ما تراهن على الإنسان، ذلك الكائن الهش الذى يسير محمّلًا بما لا يُقال.
– إذن، عن ماذا تكتب سارة عماد؟
– تكتب عن الداخل، عن تلك المناطق التى لا تراها العين، لكنها تثقل القلب. تكتب عن الإنسان حين يكون وحده، حين يبتسم بدافع البقاء لا الفرح، وحين يتصالح أو يحاول مع ضعفه.
ماذا تقصد سارة عماد بـ“ما وراء الجدار”، ماذا خلف هذا العنوان؟
أتصور أن خلفه صمت طويل. ففى كتابها الصادر هذا العام عام لا تصنع سارة عماد بطلًا تقليديًا، ولا تضع خصمًا واضحًا، بل ترسم بشرًا عاديين، مثقلين بتجاربهم، يحاولون النجاة من ثقل المشاعر، ومن عبء الاعتياد، ومن تراكم الانكسارات الصامتة.
وبسؤال سارة؛ وهل يقدّم الكتاب حلولًا؟ تجيب؛ لا. "ما وراء الجدار" ليس كتاب إجابات، بل نافذة. نافذة على الألم حين يصبح لغة، وعلى الصمت حين يتحول إلى ملاذ، وعلى ذلك الجدار الذي يفصل الإنسان عن ذاته، حتى يجرؤ – أخيرًا – على النظر خلفه.
فى هذا العمل، نقرأ إنسانًا هشًا، مترددًا، صادقًا فى ضعفه، مُرهقًا من محاولات التماسك الدائمة.
– وماذا عن "تلاطم مشاعر"؟
– هنا تنتقل سارة عماد إلى مساحة أكثر مباشرة، دون أن تتخلى عن العمق. فى كتابها الصادر عام 2025 وتجيب: نقرأ خواطر تتأرجح بين الفرح والحزن، الخوف والحنين، اليأس والتفاؤل. فاللغة فيه اراها شاعرية، تشبه البحر في تقلّباته؛ هادئًا حينًا، وعاصفًا حينًا آخر.
– هل تنحاز سارة عماد للتفاؤل؟
– أنحاز للصدق. لا أجمّل الحزن ولا أنكر اليأس، لكنى أترك نافذة مفتوحة للضوء، وأرى أن المشاعر – مهما تلاطمت – تصنع لوحة الحياة بألوانها الكاملة، وأن التفاؤل ليس إنكارًا للألم، بل قدرة على الاستمرار رغم حضوره.
– ما الذى يجمع بين العملين؟
– يجمع بينهما الصوت الإنساني . صوت لا يصرخ ولا يدّعى البطولة، بل يقترب من القارئ كرفيق طريق، ويهمس له: لست وحدك، وما تشعر به ليس ضعفًا، بل إنسانية.
هكذا تكتب سارة عماد، وهكذا تشق طريقها بين الأصوات الجديدة التى تراهن على العمق، وتؤمن بأن الكتابة الحقيقية تبدأ من الداخل، وتسير ببطء… لكنها تصل.