حكم زيارة المتاحف الأثرية
من المقرر شرعًا زيارة المتاحف التي تشتمل على التماثيل والآثار المعبِّرة عن ثقافة وحضارة الشعوب بغرض التعليم أو الترفيه أمرٌ جائزٌ؛ لأنه لا يخالف تعاليم الإسلام، بل يشتمل على معاني القيام بواجب السَّير في الأرض والتعرف على الأمم ودراستها مما يعود بالفائدة على الناس في واقع حياتهم، وهو فعلٌ موافقٌ لما دأب عليه علماء الإسلام وأهله مِن لدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين دَوَّنوا بعضَ أسمائهم على جدران الآثار المصريَّة، ومَن بعدهم مِن التابعين والعلماء والصالحين ممن سوَّدوا المسودات ودوَّنوا المدونات في الكلام عن عجائب تلك الآثار المكنونات، ومكانتها الحضارية بين سائر الأمم.
مفهوم المتاحف والغرض من إقامتها
والمتاحف ألسُنٌ ناطقة، وسجلاتٌ منظورةٌ صادقة، تُحدِّث أخبارَها، وتحفظ تاريخ شعوبها وبلادها، ليعرف اللاحق خبر السابق، ويدرك إنعام الله على الإنسان وتكريمه على سائر الخلائق.
ولما كانت المتاحف مَجمَع ما ظهر من آثار الحضارات القديمة، وكانت تلك الحضارات الموغلة في القدم كحضارة المصريين القدماء، والفرس، والرومان، وغيرهم ممن ملؤوا جنبات الأرض صناعةً وعمرانًا، قد لجأت إلى تسجيل تاريخها اجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة وغيرها، كانت بطبيعة الحال والواقع المشاهَد مشتملةً على تلك التماثيل والمنحوتات الأثرية التي لا يمكن دراسة تاريخ تلك الأمم إلا من خلالها.
حكم عرض التماثيل في المتاحف ودراسة تاريخ الأمم السابقة
واشتمال المتاحف الأثرية على التماثيل لا يَصِمُها بالمخالفة الشرعيَّة لتعاليم الإسلام؛ حيث إنَّ الإسلام لم يحرِّم التماثيل تحريمًا مطلقًا لذواتها، وإنما وقع التحريم في عصر النبوة حتى يستقرَّ الإيمان وتسكن القلوب إلى حضرة علام الغيوب، باعتبار حداثة عهدهم بالإيمان، وقرب عهدهم بالأصنام المعبودة من دون الله، فيزول ما في القلوب من تعظيمٍ لتلك الأصنام، فالتحريم مخصوصٌ بما كان مصنوعًا أو موضوعًا بقصد العبادة من دون الله، أو مضاهاة خلق الله، ومِن المقرَّر شرعًا أنَّ "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا" كما في "شرح الزَّركَشِي على مختصر الخِرَقِي" (3/ 504، ط. مكتبة العبيكان).
وفي ذلك يقول الإمام أبو سعيد الإصطخري [ت: 328هـ] فيما نقله عنه الإمام الماوردي في "الحاوي الكبير" (9/ 564، ط. دار الكتب العلمية): [إنما كان التحريم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقرب عهدهم بالأصنام ومشاهدتهم لعباَدَتِها؛ ليستقر في نفوسهم بُطلان عبادتها وزوال تعظيمها، وهذا المعنى قد زال في وقتنا؛ لِمَا قد استقر في النفوس مِن العدول عن تعظيمها، فزال حكمُ تحريمها وحَظرُ استعمالها] اهـ.
وقال العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (22/ 162، ط. الدار التونسية): [لم تكن التماثيلُ المجسَّمةُ مُحرَّمَةَ الاستعمال في الشرائع السابقة، وقد حرَّمها الإسلام؛ لأن الإسلام أمعَنَ في قطع دابر الإشراك؛ لشدة تمكُّن الإشراك من نفوس العرب وغيرهم، وكان معظمُ الأصنام تماثيلَ، فحَرَّم الإسلامُ اتخاذَها لذلك، ولم يكن تحريمُها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها، ولكن لكونها كانت ذريعة للإشراك] اهـ. فأفاد أنه متى انتفت ذريعة الإشراك انتفت علة التحريم.
ويقول الشيخ الإمام محمد عبده فيما نقله عنه الشيخ رشيد رضا في "مجلة المنار" (20/ 270) بعد أن ساق الأحاديث المتعلقة بالتصوير والتماثيل: [إن الوعيد على تحريم التصوير خاصٌّ بمن كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأمَّا الآن فلا.. ولمَّا صارت صور ذات الأنفس لمجرَّد الزِّينة، وزالت مظنة العبادة؛ اتخذ بعض أئمة السلف بعض الصور في بيوتهم، كما ترك الصحابة الصور في إيوان كسرى] اهـ.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: 20].
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض