حكم الزكاة في المستخلصات المحتجزة
تُعرف الزكاة بأنها ركنٌ من أركان الإسلام، بها تطهر الأموال، وتزكو النفوس، وتمحى الآثام، قال الله جَلَّ وعَلَا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ "صفةٌ لصدقة.. والتزكية: مبالغةٌ في التطهير وزيادةٌ فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال"، كما قال الإمام الزَّمَخْشَرِي في "الكشاف" (2/ 307، ط. دار الكتاب العربي).
الزكاة
والزكاة واجبة في الأموال بالغة النِّصاب إذا ثبتت ملكيَّتها المطلقة لصاحبها، وانتفت عنه موانع الزكاة شرعًا، ومضى عليه الحول بالأشهر القمرية.
حكم زكاة أموال المستخلصات المحتجزة
الأموال المحتجزة يقصد بها الأموال التي يحول بينها وبين مالكها وإطلاق يده بالتصرف فيها على وفق إرادته واختياره حاجزٌ ومانعٌ.
والمستخلصات الدورية هي المبالغ المطلوبة عمَّا تمَّ من أعمالٍ سواء دفعها العميل أو لم يدفعها بعد"، كما في "محاسبة المقاولات- بين النظرية والتطبيق" أ. حامد داود الطحلة (ص: 137، ط. دار اليازوري العلميَّة).
وأموال المستخلصات المحتجزة الخاصَّة بمستحقات المصنعيَّات، تعدُّ دين فائدةٍ للمقاول في ذمَّة المطور العقاري المتعاقد معه؛ لأنها أجرة ما قدمه المقاول من الأعمال المتفق عليها في العقد المبرم بينه وبين المطور العقاري، ولا تكتمل ملكيَّته لها إلا بعد قبضها وقرارها في يده وإمكان تصرفه فيها.
وللفقهاء في زكاة الدُّيون تفصيلٌ، إلا أنَّ المختار للفتوى هو ما قرَّره فقهاء المالكيَّة مِن أنَّ الديون أربعة أقسام: دين من فائدة، ودين من غصب، ودين من قرض، ودين من تجارة، وأنَّ دين الفائدة له أربع صورٍ، منها ما كان الدين فيه ناتجًا عن إجارة، وأنَّه لا تجب فيه الزكاة إلا بعد القبض، وبلوغ النصاب، وحولان الحول؛ لأن نعمة المال وتهيؤه للنماء لا تتم إلا بتمام الملك، والزكاة إنما وجبت في مقابل نعمة الملك والنماء.
قال الإمام ابن رشد الجد المالكي في "المقدمات الممهدات" (1/ 303-304، ط. دار الغرب الإسلامي): [الديون في الزكاة تنقسم على أربعة أقسام.. فأما الدين من الفائدة: فإنه ينقسم على أربعة أقسام.. الثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفوائد، فهذا لا زكاة فيه حتى يقبض ويحول الحول عليه بعد القبض.. والرابع: أن يكون الدين مِن كراءٍ أو إجارةٍ، فهذا إن كان قبضه بعد استيفاء السُّكنى والخِدمَة كان الحكم فيه على ما تقدم في القسم الثاني] اهـ.
وقال الإمام القرافي في "الذخيرة" (3/ 38، ط. دار الغرب): [راعى مالكٌ حصول المال في اليد في طرفي الحول؛ لأنَّ كمال المِلك إنما يحصل باليد، ومع عدمها يشبه الإنسان الفقير، فلا زكاة] اهـ.
وقال الإمام المواق في "التاج والإكليل" (3/ 168، ط. دار الكتب العلمية) نقلًا عن ابن شاس: [كلُّ دينٍ ثبت في ذمَّةٍ ولم يخرج إليها مِن يد مَن هو له ولا بدل عنه فلا زكاة فيه على الإطلاق حتى يحول عليه الحول بعد قبضه] اهـ.
فإن كان ثمَّة مالٌ بخلاف الدُّيون المستحقة للأجير وكان بالغَ النصاب وحال عليه الحول -كما هي مسألتنا- زكَّاه مِن غير أن يضم إليه تلك الدُّيون ما دامت لم تقبض ولم تستوف كما مرَّ، حتى وإن قبضها في خلال الحول الأصلي لبقية أمواله فإنَّه يستقبل بها حولًا جديدًا ولا يضمها إلى غيرها مِن سائر أمواله.
قال الإمام الدردير المالكي في "الشرح الكبير" (1/ 462-463، ط. دار الفكر، مع "حاشية الدسوقي"): [(واستقبل) حولًا (بفائدة) وهي (التي تجددت لا عن مالٍ) فقوله: تجددت كالجنس، وقوله: لا عن مالٍ أخرج به الرِّبح والغلة، ومثله: (كعطية) وميراثٍ.. (وتُضم) الفائدة الأولى حال كونها (ناقصة) عن نصاب (وإن) كان نقصُها (بعد تمام) بأن كانت نصابًا ونقصت قبل أن حال عليها الحول (لثانية) نصابًا أو أقل، فإن حصل منهما نصاب حسب حولُهما من يوم الثانية، ويصيران كالشيء الواحد، كما لو كانت الأولى في المُحرَّم عشرة، والثانية في رمضان كذلك، فإن حولَهما معًا رمضان] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض