رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تكن الضربة العسكرية الأمريكية ضد إيران وهمًا إعلاميًا، ولا تسريبًا للاستهلاك السياسي.
الطائرات تحركت، غرف العمليات فُتحت، وسيناريو التنفيذ كان قائمًا حتى لحظاته الأخيرة، قبل أن يُجهَض فجأة بقرار مباشر من دونالد ترامب نفسه.
بعد القرار، فُتح المجال الجوي الإيراني، وهدأت الأسواق، وانخفض خام برنت، كأن العالم التقط أنفاسه بعد اقترابه من حافة انفجار. 
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: هل كانت هناك ضربة؟
بل: لماذا توقفت؟ 
الإجابات الجاهزة لم تقنع أحدًا.
قيل إن إسرائيل طلبت التأجيل لعدم جاهزيتها. لأي رد انتقامي من صواريخ طهران
وقيل إن السعودية و دول الخليج وتركيا  رفضت استخدام أجوائها.
لكن هذه التفسيرات، رغم صحتها الجزئية، لا تفسر جوهر القرار، بل تلامس سطحه فقط.
الجواب الحقيقي لا يُبحث في السماء… بل في الأرض.
في الداخل الإيراني تحديدًا..

لم تبدأ الأزمة في إيران من شعارات سياسية، ولا من غرف الإعلام الغربية، بل من الأسواق.
تضخم يبتلع الأجور، ركود يخنق الحركة، وعملة فقدت أكثر من 80% من قيمتها.
وعندما ينهار الخبز، لا يحتاج الناس إلى أيديولوجيا لينزلوا إلى الشارع.
في بدايتها، كانت الاحتجاجات طبيعية، عفوية، بلا قيادة وبلا مشروع.
لكن ما حدث لاحقًا كشف أن الشرارة التُقطت بسرعة.
تحول المشهد من غضب اجتماعي إلى عنف منظم:
حرق متعمد للمساجد، هجمات على خدمات الطوارئ، تدمير للبنية التحتية، قتل رجال الشرطة، عنف عرقي، وعمليات إعدام خارج القانون.
هنا خرج الحدث من إطار الاحتجاج، ودخل منطقة أخرى يعرفها التاريخ جيدًا: الفوضى المصمَّمة.
«فالفوضى لا تُولد من الجوع، بل يُعاد توجيهها بعده.»

في هذه اللحظة بالذات، بدأ يتضح أن ما يجري لا يستهدف قرارًا اقتصاديًا  متعلق  بالغاء أسعار الصرف التفضيلية التي مُنحت لسنوات لمستوردي السلع الأساسية  مما ترتب عليه ارتفاع أسعار مواد الغذاء بأكثر من 30% 
، بل الهدف  كيان الدولة نفسه.
فالهجمات والاعمال التخربية لم تُوجَّه نحو رموز النظام 
بل نحو المساجد، الإسعاف، النقل، والخدمات … أي نحو العمود الفقري للمجتمع.

في التوقيت ذاته، خرج ترامب بخطابه الشهير للمحتجين:
«المساعدة في الطريق اصمدوا  حتي نجعل إيران عظيمة مجددًا.»
هذا ليس خطاب تضامن، بل إعلان سياسي. يبارك  الأعمال التخربية 
إعلان عن مشروع بديل جاهز، تمثّل في رفع صور رضا بهلوي الثاني، ولي عهد 
ابن  الشاه السابق محمد رضا ، المقيم في الولايات المتحدة، والذي أعلن بوضوح: نيته الاعتراف بإسرائيل فورًا، وإنهاء البرنامج النووي،و توسيع اتفاقيات إبراهام إلى “اتفاقيات كورش”، وبناء تحالف إيراني–إسرائيلي

هنا يستيقظ التاريخ الإيراني بقسوة.
عام 1953، أُسقط رئيس الوزراء محمد مصدق بانقلاب دبرته المخابرات الأمريكية والبريطانية تحت اسم “أجاكس”
هذا الانقلاب كان بداية التدخل الأمريكي السافر في تقرير مصائر شعوب المنطقة والتحكم في القرارات السياسية فيها من منصف القرن الماضي وحتي الآن.

انقلاب ، مُكّن الشاه محمد رضا بهلوي من حكم إيران حكمًا مطلقًا.
الأدوات هي نفسها: التي تستخدم حاليا 
عملاء من الداخل  و فوضى، حرق، قتل، استخدام الدين والعرق، وتقديم “منقذ” جاهز من الخارج. بقيادة روزفلت الابن  ذراع  المخابرات الأمريكية .
دخل روزفلت إيران سرًا تحت اسم مستعار (وات بريدج)، وعندما وصل طهران قاد شبكة العملاء للتمهيد الي الانقلاب عبر عمليات  تشبه ما حدث اليوم
لكن الفارق هذه المرة كان قاتلًا للمخطط..

خطة ترامب لم تكن حربًا شاملة،فهذا فوق طاقة أمريكا  الآن 
بل انقلابًا من الداخل، يتزامن مع ضربة جوية نوعية تستهدف رأس النظام. والتخلص من خامنئي كما حدث مع مصدق   وفتح الطريق للفوضي الخلاقة . ثم فرض الأمر الواقع.
لكن ما لم تحسبه واشنطن هو أن إيران لم تكن وحدها.
دخلت الصين المعركة من زاوية لا تُرى في العناوين: 
زاوية التكنولوجيا والاستخبارات. بعد ان تعلمت درس رقمي قاسي من فشلها  في حماية رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو 
عندما نجحت أمريكا في تعطيل أجهزة الرصد الصينية. 
هذه المرة بكين هي من ربحت  لعبة الحرب الرقمية .
فقطعت فجأة منظومات الرصد. الأمريكية 
تعطلت القدرة على تتبع تحركات القيادة الإيرانية. تلاعبٌ مباشر بخوارزميات التتبع، وفصلٌ مقصود للشبكة العنكبوتية.
حينها، استغاث ترامب  برجل الأعمال ايلون ماسك لتفعيل خدمة ستارلينك للنت والمربوطة بشبكة ضخمة من الأقمار الاصطناعية التي تدور في مدار أرضي منخفض يسمح للافراد بالوصول الي الشبكة الانترنت بشكل مجاني .
لكن ستارلينك نفسها خرجت عن الخدمة داخل إيران بضربة إلكترونية محسوبة.
ما حدث لم يكن عطلًا تقنيًا… بل عمى استخباراتي كامل.
الصين  اصلحت سريعا ثغرة فنزويلا التكنولوجية واستعادة توازنه سريعا في طهران  للتحافظ علي اهم روافدها النفطية التي تحصل عليها بعيدا عن الدولار  واذا انقطع شريان الوقود الايراني المقدر 1.3 مليون برميل يوميا 
ستعلن الصين الاستسلام 
، فسقوط نظام حكم  إيران كان سيعني تقويض نظام الصين الدولي بشكل كامل  لذلك حتي وسماء طهران مغلقة كانت الإمدادات العسكرية من الصين مستمرة .
فحين يُفقَأ عين التنين، لا يعود سيفه مخيفًا...
مع فقدان الغطاء الاستخباراتي الفضائي عن عناصر الموساد والمخابرات الأمريكية في داخل إيران  ، بدأت الشبكات العميلة  في الانكشاف.
العصابات التي  قادوا العنف ضد النظام الإيراني 
هربوا، وتخلوا عن مواقعهم، وتحولوا إلى أهداف سهلة.للاجهزة الأمنية  تم تفكيك وتصفية تلك  الشبكات 
وتم القبض على الأجنحة الداخلية التي كانت ستعلن لحظة الانقلاب.
وفي هذا السياق جاءت  انباء عن اعتقالات شخصيات بارزة 
داخل النظام الإيراني نفسه كامت تستعد لاذاعة بيان الانقلاب .
لقد نجح النظام الإيراني فيما فشل فيه محمد مصدق 
قطع رأس الافعي .

بعد انهيار سيناريو الانقلاب، حاول ترامب الانتقال إلى ضربة عسكرية محدودة، عشوائية، تحفظ ماء الوجه.
لكن هنا اصطدم بما يمكن تسميته الرفض الجغرافي السياسي

فالطائرات الأمريكية لا تعبر دون موافقات إقليمية.
السعودية، ومن خلفها دول الخليج، رفضت فتح الأجواء.
فالضربة التي تشعل حرب الطاقة العالمية دون ضمان  سياسي، ليست ضربة… بل انتحارًا.  وعودة الي ماضي بهلوي المؤلم 
لم يكن قلق الخليج من اسم بهلوي نابعاً من فراغ.
في الذاكرة الخليجية، لم يكن محمد رضا شاه جاراً، بل شرطي الخليج.
احتل الجزر الإماراتية عام 1971 بالقوة فرض وصايته علي البحرين 
، شكك علناً في قدرة الدول الخليجية الناشئة على البقاء، ورفض أي تصور لأمن خليجي عربي لا تكون إيران مركزه.

الشاه فرض عليهم  هيمنة مدعومة بالسلاح الأمريكي، فترسخت قناعة خليجية بأن إيران الشاه لا تحمي الخليج… بل تضعه تحت الوصاية.
ولهذا، فإن عودة اسم بهلوي اليوم لا تُستدعى كحنين سياسي، بل كذاكرة سيادية ثقيلة ..
لم يعد أمام ترامب و نتنياهو بعد فشل خططهم الا تأجيل عملية إيران لحين استعادة الرؤية بشكل كامل .
وهو لا يملك بديل سوي سلاح الاغتيال من الفضاء  فهو في وضع لا يسمح له بارسال جنود وغزو بري لإيران

فهذا أمر يحتاج  تحالفًا دوليًا واسعًا، على غرار  ما حدث في غزو العراق والاطاحة بصدام حسين  وهذا التحالف من المستحيل أن يصل إليه ترامب   فالناتو ناقم عليه. بسبب انحيازه لروسيا ضد أوكرانيا 
أوروبا تشكك فيه. بعد إعلان نيته ضم جرينلاند 
والشارع الأمريكي نفسه يرفض مغامراته. ولم يتفاعل معه عندما خطف مادورو بل يخرج ضده في مظاهرات بسسب عنصريه.

كان المنعطف الأهم الذي جعل نتنياهو يطلب من ترامب تأجيل اي عملية عسكرية ضد النظام الإيراني
أن قطاع واسع من الشعب  اصطف  مع خامنئي صفاً واحداً،
لقد حدث انقلاب في الوعي فالقرصان ترامب الذي خطف مادورو هو من يبشر الشعب الإيراني بالرخاء  وعودة حكم الشاه أ الدموي ان ذلك يعني عودة الشرطة السرية
سافاك التي قهر  بها شاه إيران شعبه  

«من يتذكر جلاده، لا يفتح له الباب مرة ثانية

فانقلبت الصورة رأساً على عقب. فخرج المواطنون لا لمواجهة الدولة، بل لحمايتها.
مدنيون يحرسون المباني الحكومية، وآخرون يقفون أمام منازل ضباط الشرطة.لحمايتها 
ويخرج بالآلاف في تشيع الضحايا من رجال الأمن
لقد اصطف قطاع واسع من الشعب الإيراني صفاً واحداً، ضد الفوضى، وضد التدخلات الخارجية التي حاولت ركوب الموجة.
هذا ليس خنوع شعبي  بل ذاكرة سياسية

فهم رأوا ماذا تعني “الحرية” حين تُصاغ في الخارج وتُفرض بالقوة:
سوريا، ليبيا، العراق… دول وعدت بالرخاء  والنتيجة كانت خراب ودول فاشلة ..

ترامب يحتاج مزيد من الوقت وتجهيز خطة اخري ولكن يجب أن ينتقم من الصين التي أصابت مخابراته بالعمي الرقمي 
و افشلت الانقلاب فكان القرار 
فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران. إنه يقصد الانتقام من  الصين  التي تجاوز  حجم التبادل التجاري بينها وبين إيران   21 مليار دولار. .
لقد نجا النظام الإيراني من 'فخ أجاكس' النسخة الثانية، ليس فقط بفضل التكنولوجيا الصينية، بل لأن ذاكرة الإيرانيين كانت أقوى من وعود ترامب. ولكن، على الجميع أن يحذر؛ فترامب ليس من النوع الذي ينسحب من الحلبة، هو فقط ذهب لتبديل قفازاته. وبينما تنشغل الأسواق بانخفاض سعر النفط، والإجابة عن سوال لماذا تراجع ترامب عن قصف إيران ؟
هناك في الغرف المظلمة من يراقب عقارب الساعة، بانتظار عطلة نهاية أسبوع هادئة، يحدد فيها القمر الاصطناعي الهدف القادم. 
فالقرصان الذي تعثرت خطاه على أعتاب طهران بسبب 'العمى الرقمي'، لن يغفر للصين طعنتها، ولن يترك النظام الإيراني يحتفل بنصره طويلاً