رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

يا خبر

والله لو أننى شاهدت هذه المشاهدة فى فيلم سينمائى لقلت أن كاتب السيناريو شطح بخياله وبالغ فى قسوة المشاهد، حين ترى طفل عمره أيام وقد لف فى كفن صغير وكأنه قطعة لحم خارجة للتو من المجمد، وسبب الوفاة أنه مات من البرد أو بالأحرى تجمد، والعالم مشغول بماذا قال الرئيس ترامب عن إيران وكيف رد عليه المرشد الأعلى خامنئى، وهل صحيح أن ترامب سيوجه ضربة عسكرية لإيران، صحيح إنها ساعات عصيبة على إيران وأن أمرها جلل، لكن ما يحدث فى غزة لا ينبغى أن يتوارى عن الناس ويعاد ترتيب نشرات الأخبار ليحتل الخبر الغزاوى رقم 5 مثلا فى قائمة الأولويات، الرئيس الأمريكى الذى خطب موجها كلامه للمتظاهرين فى إيران بأنه يدعمهم وطلب منهم يتحركوا صوب مؤسسات بلادهم ويحفظوا أسماء من قتل زملائهم وتوعد وهدد النظام الإيرانى إذا لم يتوقف ما وصفه بالقتل العبثى للمحتجين سيتدخل عسكريا، وصدر للعالم أنه ينظر للمشهد الإيرانى من زاوية إنسانية هو نفسه الرئيس ترامب الذى لم يتحرك له جفن وكل يوم فى غزة يموت الناس من البرد، أطفال وشيوخ ونساء ولم يعترف بأن ما يحدث الآن فى غزة بالتوازى مع تظاهرات إيران هو فصل جديد من الإبادة يفتك بالإنسان ويُعرى النظام الدولى.
فى أحدث إحصائية رسمية، أعلن المكتب الإعلامى الحكومى بغزة، ارتفاع حصيلة الوفيات نتيجة البرد القارس إلى 21 شهيداً منذ بدء حرب الإبادة، بينهم 18 طفلاً، منهم 4 حالات وفاة سُجلت خلال المنخفض الحالى فقط.. وأكد رئيس المكتب، إسماعيل الثوابتة، فى بيان صحفى، أن الكارثة تتفاقم ميدانياً، حيث باتت 127 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً غير صالحة للسكن، مما يعنى أن الغالبية العظمى من النازحين يواجهون العواصف بلا مأوى حقيقى.
الرئيس ترامب الذى هدد -بدوافع إنسانية- النظام الإيرانى إذا تعرض للمحتجين هو نفسه الذى لم يكترث لما يفعله جيش الاحتلال الإسرائيلى وقد دمر 90% من البنية العمرانية فى قطاع غزة وحاصره لأكثر من 500 يوم وتسبب فى عجز كارثى فى الأغطية ووسائل التدفئة بنسبة تجاوزت 70%.
قليل ما التفت نشرات الأخبار الدولية التى بحثت عن كل لقطة فى المشهد الإيرانى إلى لقطات الأمهات الثكلى وهن يحملن أشياء أطفالهن الموتى من البرد ويبكيهن بالدم، لا أعرف فى حياتى هذا الكم من القسوة حتى بين الأشرار، فهناك دائما لحظة يرق فيها الإنسان ما دام إنسانا، لكن يبدو أن الرحمة تلاشت مثلما تلاشت خيام النازحين أمام رياح المنخفض القطبى العاتية وتركت قاطنيها فى العراء.
فى حين أثارت هذه المشاهد ردود فعل واسعة عبر منصات التواصل، وتداول نشطاء صور تفطر القلوب لأطفال لفظوا أنفاسهم الأخيرة تجمداً، ليكون البرد هو الفصل الأحدث فى رواية الموت المستمر.
منذ عامين وثلاثة أشهر تقريبا يمكننا القول أن الناس فى غزة جربت كل صنوف الموت قصفاً وجوعاً، والآن يموتون بردا وتجمدا، ولم يفكر العالم الغنى بالمال والمعدم خلقا أن يوفر مثلا مساكن متنقلة لهؤلاء الموتى المحتملين رأفة بأطفالهم ونسائهم.
رغم الحديث البطىء عن الاستعداد للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الإبادة لم تتوقف، إسرائيل الآن تجرب أن تريح القنابل والمدافع فى غزة وتجرب القتل بالبرد والأوبئة، الرئيس ترامب الذى تحمل خطة وقف إطلاق النار اسمه شخصيا بدلا من أن يضمن لهؤلاء المساكين ولو القدر البسيط من الحياة تركهم يموتون وبدلا من ذلك تحدث عن ضمان أمن إسرائيل التى ارتكبت منذ 7 أكتوبر 2023 -بدعم أمريكى أوروبى- إبادة جماعية فى قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.. وخلفت الإبادة أكثر من 242 ألف فلسطينى بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
الخلاصة.. إن غزة تموت ببطء وسط صمت العالم الذى انشغل فقط بالسؤال: هل ترامب سيضرب إيران أم لا؟.