شاهدت فيلم داود عبد السيد "الكيت كات" في مهرجان دمشق السينمائي عام 1991، وأجريت مقابلة معه نشرت في إحدى الصحف التي تصدر في لندن، ثم التقينا مجددا في 1992 في "ملتقى الرواية والسينما" الذي أقيم في كلية الآداب، بجامعة الدار البيضاء، وهي التظاهرة الثقافية التي نظمها وأشرف عليها المثقف السينمائي والصديق العزيز حمادي كيروم، الذي وجه لي الدعوة وقتها من دون سابق معرفة، ثم توثقت علاقتنا، والتقينا كثيرا سواء في المغرب أو خارجه.
في هذه التظاهرة الرفيعة التي كان يدير جلسات المناقشات اليومية فيها المثقف المغربي الكبير الدكتور محمد برادة، شاركت بورقة بحثية بعنوان "السينما والأدب وأشكال التعبير: علاقة اقتباس أم استلهام، أمانة أم خيانة؟". ويمكن القول باختصار إنها كانت دفاعا مسهبا عن "الخيانة"، أي عن حق السينمائي في "خيانة" العمل الأدبي وتطويعه للغة السينما، وأساسا، لأسلوبه ورؤيته الخاصة بعد هضم واستيعاب العمل الأدبي، وكان البحث يحمل دون شك- انحيازا واضحا للسينما. وقد أثار هذا البحث وقتها ضجة كبيرة ومناقشات صاخبة ونشر في عدد من الصحف المغربية.
وأتذكر أنني تلقيت هجوما شديدا من طرف أحد الطلاب الحاضرين الذي كان من الواضح أنه من غلاة الظلاميين، فقد انتفض واقفا وهو يرتجف من فرط الانفعال، وأخذ يصب عليّ جام غضبه موجها لي انتقادات شديدة. وكان مصدر غضبه- كما فهمت- ناتجة عن مفاهيمه "الأخلاقية" الساذجة، فقد استفزته كلمة "خيانة"، ولابد أنه تصور أنني أدعو مثلا إلى شرعنة "الخيانة الزوجية" لا سمح الله!
أذكر من السينمائيين الذين حضروا تلك التظاهرة الثقافية، المخرجون: صلاح أبو سيف وعلي بدرخان وداود عبد السيد ورأفت الميهي ونبيل المالح وغالب شعث، والكاتب الكبير صبري موسى. ومن النقاد كمال رمزي، والروائية الفلسطينية ليانا بدر، وكان يرأس الوفد المصري عبد الحميد سعيد مدير الأرشيف السينمائي. وقد عرضت بعض الأفلام مثل "الكومبارس" لنبيل المالح، و"المواطن مصري" لصلاح أبو سيف، و"ظلال في الجانب الآخر" لغالب شعث، و"الجوع" لعلي بدرخان، و"الكيت كات" لداود عبد السيد.
بعد عرض "الكيت كات" تناقشت مع داود عبد السيد خارج قاعة العرض، ودار حديثنا عن السينما المصرية وكيف أنها، رغم كل ما قدمته في تاريخها، ظلت بمنأى عن التجريب الجريء الذي يبتعد عن مجرد "رواية قصة" محكمة في سياق سرد تقليدي، وأعربت عن رغبتي في رؤية عمل حداثي يتجاوز ما هو سائد، فمعظم ما ينتج لا يخرج عن نطاق الفيلم "السهل"، أي الذي يعتمد على القصة والشخصيات، لا على "الرؤية" والخيال الخاص المنطلق خارج قيود "القصة".
أنصت إليّ داود جيدا، ثم فاجأني بقوله إنه أخرج بالفعل ذلك الفيلم الذي أتطلع إليه. ما هو هذا الفيلم وأين هو؟ تساءلت مندهشا. قال يجب أن أنتظر قليلا إلى أن يعرض فيلمه الذي أخرجه قبل "الكيت كات" وهو بعنوان "البحث عن سيد مرزوق". فوجئت أن يكون داود قد أخرج هذا الفيلم قبل "الكيت كات".
كان داود محقا تماما عندما اعتبر "البحث عن سيد مرزوق" فهو يحلق خارج مجال الفيلم المصري التقليدي الذي لا يخرج عن رواية قصة، وقد تأكد لي ذلك عندما شاهدت الفيلم، وتوقعت أن يكون له صدى كبيرا، ليس على مستوى الجمهور، فالعلاقة بين الفيلم والجمهور في مصر تتعلق بعوامل كثيرة مركبة ومعقدة، ترتبط أساسا بالمناخ الثقافي السائد. لكني تخيلت أن يكون هذا الفيلم بداية لحركة تجديد طليعية تنقل الفيلم المصري إلى مستوى آخر، لا بمعنى أن تصبح جميع الأفلام المصرية أفلاما طليعية، بل فقط أن تجعل "السوق" يقبل بوجود مثل هذه النوعية التي تتجاوز ما هو سائد.
أزعجني كثيرا أن أقرأ بعد مرور سنين عديدة، ما يشبه اعتذارا من جانب داود للجمهور عن إخراجه لفيلم "البحث عن سيد مرزوق" بدعوى أنه "يتعالى على الجمهور"، في حين أنني لا أرى أنه يتعين على أي مخرج الاعتذار عن أي فيلم يكون قد أنجزه في اختيار واعٍ، كما أنني لا أعرف ما يسمى "التعالي على الجمهور"، فلكل فيلم جمهوره، والأفلام عادة، لا تخاطب جمهورا واحدا، كما أن هناك مستويات للتواصل مع الجمهور.
ينبغي أن أستدرك بالقول إن داود عبد السيد لابد أن يكون قد شعر بالإحباط من عدم تحقيق هذا الفيلم نجاحا ملموسا رغم طموحه الكبير، وهو الذي لمس وتذوق ما حققه ولايزال يحققه فيلم "الكيت كات" من نجاح كبير. رحم الله داود ألف رحمة وغفر له ولنا.