في خطوة أثلجت صدورنا جميعًا، وأربكت في الوقت ذاته الصفوف الداخلية لجماعة الإخوان، أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تصنيف فروع الجماعة في عدد من الدول، من بينها مصر والأردن كمنظمات إرهابية في تحرك يحمل دلالات سياسية وأمنية بالغة الأهمية.
هذا القرار لا يمكن عزله عن سياقه الإقليمي والدولي، كما لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً عابرًا، بل يمثل نقطة تحول حقيقية في مسار التعاطي الدولي مع واحدة من أخطر الجماعات الأيديولوجية التي عانت منها المنطقة لعقود طويلة.
هذا التصنيف الأمريكي يعكس إدراكًا متأخرًا، لكنه ضروري، لحقيقة جماعة الإخوان وأيديولوجيتها القائمة على توظيف الدين لأغراض سياسية، واحتضان العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو الحفاظ على النفوذ، كما أنه يعكس وعيًا متزايدًا بخطورة هذه الجماعة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، بعد سنوات من محاولات التجميل والتغاضي، التي دفعت ثمنها شعوب ودول بأكملها.
وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نُثمِّن الجهود التي تبذلها الإدارة الأمريكية في مكافحة الإرهاب الدولي والتصدي للتنظيمات المتطرفة، خاصة حين تتقاطع هذه الجهود مع الموقف المصري الثابت والحاسم تجاه جماعة الإخوان، والتي صنفتها الدولة المصرية منذ سنوات كمنظمة إرهابية قائمة على العنف والتحريض وبث الكراهية، واستغلال المشاعر الدينية لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة.
لقد عانت مصر، كما عانت دول أخرى في المنطقة، من جرائم هذه الجماعة على مدار عقود، حيث لم تتورع عن استهداف أبناء الشعب المصري من رجال الشرطة والقوات المسلحة، بل والمدنيين الأبرياء، في محاولة ممنهجة لهدم مؤسسات الدولة وبث الفوضى وزعزعة الاستقرار، ولم يكن العنف لدى الإخوان استثناءً أو رد فعل، بل كان نهجًا أصيلًا متجذرًا في فكر التنظيم وأدبياته.
ومن هنا، فإن التصنيف الأمريكي الأخير يعكس صواب ووجاهة الموقف المصري الذي تبنته الدولة عقب ثورة 30 يونيو 2013 المجيدة، حين خرج الشعب المصري بالملايين دفاعًا عن هويته الوطنية، ورفضًا لمحاولات اختطاف الدولة وتفكيك مؤسساتها، و كان قرار المواجهة آنذاك قرارًا مصيريًا، لم يأتِ بدافع الإقصاء، بل دفاعًا عن إرادة شعب، وصونًا لكيان دولة، وحماية لمستقبل أمة.
ولا يمكن الحديث عن هذا المسار دون التوقف أمام التضحيات الجسيمة التي قدمتها مصر في حربها ضد الإرهاب، وتضحيات في الأرواح والموارد، أكدت بما لا يدع مجالًا للشك التزام الدولة الراسخ بمواجهة الفكر المتطرف والعنف الأعمى، ليس فقط لحماية أمنها الوطني، بل أيضًا للمساهمة في حماية أمن المنطقة بأسرها.
في المقابل، تعيش جماعة الإخوان اليوم واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية، إن لم تكن الأسوأ على الإطلاق، فالجماعة التي يقترب عمرها من مئة عام لم تعد تنظيمًا واحدًا متماسكًا، بل تحولت إلى كيانات متناحرة، انقسمت إلى ثلاث جبهات رئيسية تتصارع على الشرعية والتمويل والنفوذ، وتتوزع بين القاهرة ولندن وإسطنبول، وهذا التفكك غير المسبوق يعكس حجم الضربة التي تلقتها الجماعة بعد ثورة 30 يونيو، ويؤكد أنها فقدت وحدتها وشرعيتها التنظيمية والسياسية إلى غير رجعة.
الأخطر من ذلك، أن الجماعة فشلت فشلًا ذريعًا في تجنيد أي عناصر جديدة منذ أكثر من أحد عشر عامًا، فآلية التجنيد التقليدية التي اعتمدت عليها الإخوان لعقود، والقائمة على التربية المباشرة واللقاءات التنظيمية المطولة، باتت شبه مستحيلة في ظل الرفض الشعبي الواسع، والملاحقات الأمنية، وانكشاف حقيقة التنظيم أمام الرأي العام.
وعلى عكس تنظيمات إرهابية أخرى مثل “داعش” و”القاعدة”، لم تستطع جماعة الإخوان تطوير أدوات فعالة للتجنيد عبر الإنترنت أو الفضاء الرقمي، ما أدى إلى جفاف منابع الكوادر البشرية الجديدة، واقتصار التنظيم على أعضائه القدامى، المنهكين بالصراعات الداخلية والانقسامات الحادة، وهكذا تحولت الجماعة من تنظيم يسعى للتمدد والهيمنة، إلى كيان يستهلك ما تبقى من طاقته في صراعات البقاء.
في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن القرار الأمريكي بتصنيف فروع جماعة الإخوان يمثل اعترافًا دوليًا بحقيقة طالما أكدت عليها مصر، ودافعت عنها بثبات، رغم حملات التشويه والضغوط، وهو أيضًا رسالة واضحة مفادها أن زمن المساومة مع الإرهاب، تحت أي لافتة دينية أو سياسية، قد ولى.
ويبقى الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة على استمرار هذا الوعي الدولي، وتعميقه، والبناء عليه، وصولًا إلى موقف عالمي موحد لا يكتفي بتجفيف منابع العنف، بل يواجه جذوره الفكرية والتنظيمية، حتى لا تتكرر المأساة تحت أسماء جديدة وواجهات مختلفة.