نهضة زراعية غير مسبوقة في مصر.. بين ارتفاع الإيجارات ودعم الدولة للفلاحين
في وقت تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية العالمية، وتتصاعد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، تبرز الزراعة المصرية كأحد أعمدة الاستقرار الاستراتيجي للدولة. قطاع طالما كان صمام أمان للمجتمع، ومصدر رزق لملايين الأسر، يشهد اليوم تحولات كبرى فرضتها معادلة العرض والطلب، وتغير أنماط الزراعة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب توجه الدولة نحو التوسع الأفقي واستصلاح الأراضي الجديدة.
وبين طموحات التصدير ومطالب السوق المحلي، يقف الفلاح المصري في قلب هذه المعادلة، حاملاً على عاتقه عبء الإنتاج في ظل ظروف اقتصادية معقدة.
وفي خضم هذا المشهد المتشابك، تزايدت التساؤلات حول مستقبل الزراعة، وتأثير ارتفاع أسعار إيجارات الأراضي، وجدوى المحاصيل التقليدية، ودور الدولة في حماية صغار المزارعين من تقلبات السوق واستغلال الوسطاء.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين، لتضع النقاط فوق الحروف، كاشفة عن واقع القطاع الزراعي، ومسلطة الضوء على الفرص والتحديات، في مرحلة وصفها بـ"النهضة الزراعية غير المسبوقة".
ارتفاع غير مسبوق في إيجارات الأراضي الزراعية
أكد الدكتور سيد خليفة أن قطاع الزراعة في مصر يشهد حراكاً كبيراً انعكس بشكل مباشر على أسعار إيجارات الأراضي الزراعية، حيث تراوح سعر إيجار الفدان الواحد بين 40 ألفاً و125 ألف جنيه سنوياً، بحسب الموقع الجغرافي للأرض ونوعية المحصول المزروع.
وأوضح نقيب الزراعيين، أن هذا الارتفاع يرتبط بازدهار بعض المحاصيل التصديرية التي تحقق عائداً اقتصادياً مرتفعاً، وعلى رأسها محصول الفراولة، الذي شهد إقبالاً غير مسبوق من المستثمرين والمزارعين على حد سواء.
وأشار إلى أن المساحات المزروعة بالفراولة زادت بنسبة 38%، لتصل إلى نحو 120 ألف فدان، مدفوعة بارتفاع الطلب الخارجي والعوائد الدولارية المجزية التي تحققها، ما جعلها من أكثر المحاصيل جذباً للاستثمار الزراعي خلال الفترة الأخيرة.
صغار المزارعين.. الحلقة الأضعف
وفي المقابل، كشف نقيب الزراعيين عن معاناة شديدة يواجهها صغار المزارعين الذين يمتلكون أقل من 3 أفدنة، موضحاً أنهم الفئة الأكثر تضرراً من ارتفاع أسعار الإيجارات وتكاليف مستلزمات الإنتاج من أسمدة وتقاوي ومبيدات ووقود.
ولفت إلى أن المحاصيل التقليدية مثل القمح والذرة لم تعد تغطي تكاليف زراعتها المرتفعة، ما يضع الفلاح أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في الزراعة أو البحث عن بدائل تحقق له هامش ربح معقول.
وشدد خليفة على ضرورة وجود سياسات زراعية واضحة تحدد الاحتياجات المحلية من المحاصيل الاستراتيجية، ومستهدفات التصدير، بما يحقق التوازن بين الأمن الغذائي والعائد الاقتصادي للمزارع.
التعاونيات الزراعية.. طوق نجاة للفلاحين
وأكد نقيب الزراعيين أهمية تفعيل دور التعاونيات الزراعية باعتبارها أحد الحلول الجوهرية لحماية الفلاح من استغلال التجار والوسطاء، مشيراً إلى أن التعاونيات يمكن أن تلعب دوراً محورياً في توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار عادلة، وتسويق المحاصيل بأسلوب منظم يضمن حصول المزارع على السعر المناسب.
وأوضح أن ضعف دور التعاونيات خلال السنوات الماضية فتح الباب أمام تحكم التجار في السوق، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة هذه الكيانات لتكون سنداً حقيقياً للفلاح، وليس مجرد كيانات شكلية.
دعم رئاسي مباشر للفلاح المصري
وثمّن الدكتور سيد خليفة الدور الكبير الذي تقوم به الدولة بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي لدعم المزارعين، مشيراً إلى القرار الجمهوري بتأجيل ضريبة الأطيان الزراعية لمدة 10 سنوات، وهو القرار الذي خفف أعباء مالية كبيرة عن كاهل الفلاحين.
وأكد أن هذا التوجه يعكس حرص القيادة السياسية على حماية القطاع الزراعي، وتعزيز قدرة المزارعين على الاستمرار والإنتاج في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
شراء المحاصيل الاستراتيجية بأسعار عادلة
وأوضح خليفة أن الدولة تلتزم بشراء المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح وقصب السكر وبنجر السكر بأسعار استرشادية عادلة ومجزية تتماشى مع الأسعار العالمية، بما يضمن استقرار السوق المحلي، وتحقيق هامش ربح عادل للمزارع.
وأشار إلى أن هذه السياسة تسهم في تشجيع الفلاحين على زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز مخزون الدولة من السلع الأساسية.
4 ملايين فدان جديدة.. السد العالي الجديد
واختتم نقيب الزراعيين حديثه بالتأكيد على أن مصر تشهد نهضة زراعية غير مسبوقة من خلال إضافة نحو 4 ملايين فدان جديدة إلى الرقعة الزراعية، في مشروعات قومية كبرى مثل الدلتا الجديدة وتوشكى وسيناء.
ووصف هذا الإنجاز بـ"السد العالي الجديد"، في إشارة إلى أهميته التاريخية والاستراتيجية في تأمين الغذاء للأجيال القادمة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، ودعم الاقتصاد الوطني.

