قانون أمريكي جديد لمواجهة فوضى «الديب فيك» بالذكاء الاصطناعي
في خطوة تعكس تصاعد القلق العالمي من إساءة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، أقرّ مجلس الشيوخ الأمريكي للمرة الثانية مشروع قانون جديد يستهدف مواجهة ظاهرة الصور والفيديوهات المزيفة ذات الطابع الجنسي، المعروفة باسم «الديب فيك»، والتي تُنتج دون موافقة أصحابها وتُنشر على الإنترنت على نطاق واسع.
القانون، الذي يحمل اسم DEFIANCE Act، يهدف إلى منح ضحايا المحتوى الجنسي المزيف أداة قانونية مباشرة لملاحقة المتورطين في إنشاء هذا المحتوى أو استضافته على المنصات الرقمية، عبر دعاوى مدنية قد تترتب عليها تعويضات مالية كبيرة. ويأتي إقرار القانون بالإجماع داخل مجلس الشيوخ، وفق ما أعلنه السيناتور الأمريكي ديك دوربين، أحد رعاة المشروع.
وتُعد هذه الخطوة رد فعل تشريعيًا على الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على توليد صور وفيديوهات شديدة الواقعية باستخدام ملامح أشخاص حقيقيين، دون علمهم أو موافقتهم. ومع سهولة الوصول إلى هذه الأدوات، لم يعد إنتاج محتوى مسيء يتطلب خبرة تقنية متقدمة، وهو ما فتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من الانتهاكات الرقمية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصدرت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة «إكس»، الجدل الدائر حول هذه الظاهرة، خاصة بعد دمج روبوت الدردشة الذكي «غروك» التابع لشركة xAI في المنصة. هذا الدمج أتاح للمستخدمين تحويل أي منشور تقريبًا إلى مادة أولية لتوليد صور عبر الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي استُغل في إنتاج محتوى جنسي صريح، وصل في بعض الحالات إلى صور مزيفة لأطفال، بمجرد الإشارة إلى الروبوت وطلب إنشاء الصورة.
هذه التطورات دفعت جهات تنظيمية دولية إلى التحرك. ففي المملكة المتحدة، فتح جهاز تنظيم الإعلام «أوفكوم» تحقيقًا رسميًا بشأن مدى التزام منصة «إكس» بقانون السلامة على الإنترنت، وسط اتهامات بالتقصير في منع تداول محتوى غير قانوني. وفي المقابل، اتخذت دول مثل ماليزيا وإندونيسيا خطوة أكثر حدة، بحظر استخدام روبوت «غروك» بالكامل داخل أراضيها.
ورغم أن قانون DEFIANCE لا يمنع تقنيًا إنتاج هذا النوع من المحتوى المزيف، فإنه يغيّر المعادلة القانونية من خلال تحميل صناع ومضيفي المحتوى مسؤولية مباشرة، ما يجعل الاستمرار في هذه الممارسات محفوفًا بتكلفة قانونية مرتفعة. ويرى مراقبون أن هذا النهج قد يكون أكثر فاعلية من الحظر التقني، في ظل صعوبة السيطرة الكاملة على أدوات الذكاء الاصطناعي المفتوحة.
اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي يقر فيها مجلس الشيوخ مشروع القانون ذاته، إذ سبق تمريره عام 2024، لكنه تعثر آنذاك داخل مجلس النواب ولم يُستكمل مساره التشريعي. إلا أن تفاقم أزمة «الديب فيك» خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع ارتباطها بأسماء عامة وقُصّر، أعاد الزخم السياسي للمشروع، وسط آمال بألا يواجه المصير نفسه هذه المرة.
ويأتي هذا القانون ضمن سلسلة محاولات تشريعية أمريكية لتنظيم الفضاء الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي. ففي العام الماضي، أقر الكونغرس قانونًا آخر حمل اسم Take It Down Act، ركز على تجريم استضافة المحتوى الجنسي المزيف وإلزام المنصات بإزالته، لكنه لم يمنح الضحايا أدوات كافية لملاحقة الجناة بشكل مباشر، وهو ما يسعى قانون DEFIANCE إلى استكماله.
ويرى خبراء في شؤون التكنولوجيا أن تمرير مثل هذه القوانين يعكس تحوّلًا تدريجيًا في نظرة المشرّعين إلى الذكاء الاصطناعي، من كونه أداة ابتكار فقط، إلى كونه مجالًا يتطلب ضوابط واضحة لحماية الأفراد من الانتهاكات الرقمية. كما يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مسؤولية شركات التكنولوجيا في موازنة الابتكار مع السلامة العامة.
وبينما ينتظر المشروع المرور من مجلس النواب لاعتماده نهائيًا، يبقى السؤال الأهم مطروحًا: هل تنجح القوانين وحدها في كبح فوضى «الديب فيك»، أم أن السباق بين التشريع والتكنولوجيا سيظل مفتوحًا لفترة أطول.