استكمالا لمقالى السابق الذى يشمله عنوانه عاليه، وما هو إلا تَفْسِيرًا لحديث فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسى، أثناء المؤتمر الوزاري الثاني لمنتدى الشراكة "روسيا - أفريقيا" كما ذكرته سابقًا، وأن غاية سيادته فى بلاغة الاسلوب من هذا الحديث مبينًا علانيته للكافة، وهى غاية الحق وإِيمَانًا مقدسًا منه، بعجائب هذا النهر وعظائم فضله على المصريين ، وما حققته طبيعة جغرافيته الإلهية العظيمة، الذى وهبها الله لمصر منذ قيام حضارتها القديمة على ضفافه ،فماؤه العذب الذى يحمله هذا الشريان الحى بين جروفه، هو سبب الحياة للإنسان وكل الكائنات الحية على أرض مصر ، ونخصص الآية الكريمة في ذلك بقوله تعالى : "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" الآية رقم (30) من سورة الأنبياء، وهذا الماء أَيْضًا هو سببًا رئيسًا فى خصوبة التربة وجودتها ، مما شجع العمل على قيام حرفة الزراعة والتوسع فيها، لكى نأكل ما تجنيه الأرض من غِلَّات وَفَاكِهَةً، وكل ما أغلّت به من ثمار وخيرات الله ، ومنذ القدم ونهر النيل هو مركز مصر الحضارى والتجارى ، وطريق ممر مائي بين دول شطرى الوادى، لأن عن طريقه يسهل الوصول إلى قلب القارة الإفريقية، حتى أن المؤرخ اليونانى القديم "هيرودوت" قال فى شأنه مصر هبة النيل ، وإلى أوج عظمة الرقى والتهذيب فى كلمات الرئيس ،والتى يميل فيها إلى شريعة الحق والعدل، وما تقضى به المصلحة العليا للوطن وأمنه القومى ،وهو عدم التفريط فى أى قطرة مياه في حق مصر المشروع من مياه النيل ، لأنه مصدر الرخاء والازدهار وعماد ثروة البلاد.
إن سد المياه الإثيوبي أصبح حديث الساعة ، ولسان حال رجال الدبلوماسية الدولية ، من تعنت إثيوبيا وانتهاكها لجميع الاتفاقيات الدولية، المنظمة لعمل المنشآت والسدود على المجارى المائية ، وخرق اتفاق إعلان المبادئ عام 2015، الموقع بينها وبين دول المصب (مصر والسودان) ، في إتخاذها إجراءات أحادية الجانب دون الرجوع للدول الأخيرة، في أى أعمال متعلقة بالمشروع ، سواءً كان بالملء أو التشغيل أو سلامة الأمان الفني والهندسي لجسم السد ، أو حتى توصيل رسالة إطمئنان وثقة على سلامة الأمن المائي لدول المصب ، لقد برز مشروع سد المياه الإثيوبي ، وسط الأمواج المتلاطمة وفوضى الاضطرابات التي عمت البلاد، في خضم أحداث يناير من عام 2011، وما ترتب عليها من إتلاف للممتلكات العامة والخاصة ، وعدم شعور الناس بالأمن والأمان ،وإنشغال الدولة بمواجهة الأحداث ، لذلك لم يكن في مقدور الحكومة الاحتجاج في الأمم المتحدة ، ضد المشروع الإثيوبي الأحادي الجانب ، دون التوافق أو إعلان دول المصب ، من هنا قد أحاط ببناءه الشكوك والظنون ، بعد التمرد الإثيوبي على جميع الاتفاقيات الدولية المنظمة لعملية بناء السدود ، ومنها الاتفاقية الدولية للأمم المتحدة عام 1997، والتى جاءت فيما معناها من مادتها الثانية ،كما ذكرها أساتذة الفقه فى القانون الدولى وتناولن فى مقال سابق ذكرها،وهي تقتضي على أن "أى دولة من الدول المشتركة في المجرى المائى الواحد تريد أن تقيم أو تنفذ مشروعاً على هذا المجرى.... يتعين عليها إخطار شركائها من الدول ، بكافة المعلومات الفنية والجيولوجية عن طبيعة المشروع، لتفادى أى أخطار كارثية من المتوقع حدوثها نتيجة العيوب الإنشائية فى بناء هذا المشروع المادى، والذى قد يكون له تأثير كبير على باقي الدول المشتركة في هذا المجرى" وعلى هذا اشترطت الاتفاقية الإخطار المسبق قبل تنفيذ المشروع ، فكان يجب على إثيوبيا أن تفعل ذلك ، قبل بدء الشروع في بناء السد وأن تخطر دول المصب ، ولكنها ضربت بهذه الاتفاقية عرض الحائط ولم تقوم بإخطار الدول الشركاء ، وإن ما تفعله من إجراءات الملء وحجز المياه ، إذا كانت مصحوبة بسوء نية فيكون قصدها الإضرار بدول المصب ، بالتحكم في كمية المياه التى تأتي إليهما من دول المنبع ، وبالطبع لن يحدث ذلك، لأن مياه النيل بالنسبة لمصر حياة وجود، وأمنها القومى الذى يبدأ من عند أول قطرة مياه تأتي إليها من المنبع ، ويستحيل المساس بحقوقنا التاريخية منها ،و أن الحل الوحيد لتدارك خطورة هذا الأمر ، هو التوصل إلى حل قانوني ملزم بخصوص هذا السد حتى لا تتأثر دول المصب منه، ثم أن مصر لم توجه تهديد بإثارة الحرب ضد إثيوبيا ، أو تضمر الشر والأذى لها ، لأن الخير والسلام هو تكرّيسًا لمقصدها الأسمي والأعلى للأمم والشعوب ، وفي المقابل يجب علي إثيوبيا أن لا تتجاهل حقوقنا المشروعة في مياه النيل ، المرتبطة تاريخيًا بروابط قديمة ، في سبيل ترقية هذا الحق الطبيعي الذى وهبه الله للمصريين.