لفت نظر
من جديد، تعود إيران إلى واجهة المشهد الإقليمى والدولى مع تصاعد موجات من التظاهرات والاحتجاجات الشعبية فى عدد من المدن، فى مشهد يؤكد أن ما يجرى داخل البلاد لم يعد حدثا عابرا أو مرتبطا بواقعة بعينها، بل تعبير متراكم عن أزمة عميقة تضرب المجتمع والدولة معًا.
على السطح، تبدو أسباب التظاهر متفرقة: قرارات اقتصادية، ارتفاع الأسعار، تدهور العملة، قيود اجتماعية، أو حوادث أمنية فجرت الغضب الكامن. لكن فى العمق، تكشف الاحتجاجات عن شعور عام بالاختناق، حيث يلتقى الضغط المعيشى مع الإحباط السياسى وفقدان الأمل فى الإصلاح..مع استمرار نظام الملالى على حاله منذ الخومينى.
الاقتصاد الإيرانى، المثقل بالعقوبات وسوء الإدارة، لم يعد قادرا على امتصاص الصدمات. التضخم المرتفع، البطالة، وتراجع القدرة الشرائية دفعت قطاعات واسعة، خصوصا من الشباب والطبقة الوسطى، إلى الشارع باعتباره الملاذ الأخير للتعبير.. لم يعد خطاب الصمود والبرنامج النووى يمثل شيئاً للإيرانيين خاصة بعد ما شاهدوه من ضرب للمفاعلات بالكامل واغتيال اسرائيل فى الحرب الأخيرة لكبار القادة والعلماء..تحول كل ذلك إلى خطاب أجوف لا يلقى من مسامع الناس أى اهتمام بل اصبح هو سبب البلاء والتضخم وانهيار المعيشة الكريمة فى دول من أغنى دول العالم.
الشارع الإيرانى.. لم يعد كما كان
ما يميز هذه الموجات الاحتجاجية عن سابقاتها هو اتساع القاعدة الاجتماعية للمشاركين. لم تعد التظاهرات حكرا على طلاب الجامعات أو النشطاء السياسيين، بل شارك فيها عمال، موظفون، نساء، وحتى فئات كانت تعد تقليديا بعيدة عن الاحتجاج.
اللافت أيضا أن الخطاب الاحتجاجى بات أكثر جرأة، وأقل خوفا من الخطوط الحمراء، فى مؤشر على تراجع هيبة الردع التقليدية، حتى وإن ظل الجهاز الأمنى قادرا على السيطرة الميدانية.
ترامب لاعب اساسى فى هذه الاحتجاجات باستخدام التهديد بدك ايران فى حال اطلقت السلطات الرصاص على المحتجين، تعتمد السلطات الإيرانية، كالعادة، على مزيج من الاحتواء الأمنى، واتهام «أطراف خارجية» بتأجيج الاضطرابات، مع وعود إصلاحية محدودة لا تمس جوهر الأزمة. غير أن هذه المقاربة تبدو أقل فاعلية مع كل موجة جديدة، إذ يزداد الفارق بين خطاب الدولة وواقع الشارع اتساعا.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط فى الاحتجاجات ذاتها، بل فى غياب أفق سياسى واقتصادى مقنع، يجعل التهدئة مؤقتة والانفجار مؤجلا لا أكثر.
تنذر التظاهرات المتكررة بتآكل تدريجى فى العقد الاجتماعى، وتضع النظام أمام اختبار طويل الأمد، لا تحسمه القبضة الأمنية وحدها.
أما إقليميًا، فإن انشغال طهران بملفها الداخلى يفرض تساؤلات حول قدرتها على الاستمرار بنفس الزخم فى أدوارها الخارجية، أو إعادة ترتيب أولوياتها تحت ضغط الداخل.
السيناريو الأقرب هو استمرار حالة «المد والجزر»: احتجاجات تتصاعد ثم تخمد، دون معالجة جذرية. لكن الخطر الحقيقى يكمن فى تراكم الغضب، حيث تصبح أى شرارة صغيرة كفيلة بإشعال موجة أوسع وأكثر تعقيدا.
ما يحدث فى إيران اليوم ليس مجرد تظاهرات، بل رسالة واضحة من الداخل الإيراني: الأزمة لم تعد قابلة للتجاهل، والشارع بات لاعبا دائما فى المعادلة، مهما حاولت السلطة إسكاته..وهنا تكمن الازمة الايرانية التى لن تنتهى هذه المرة الا بسقوط النظام بعد ان استنفد كل معايير وجوده امام غضب عارم لشعب يريد حياة طبيعية يتمتع فيها بثرواته التى استنفدتها العقوبات وفساد القادة والإنفاق على برنامج نووى حتى لم يكتمل ولم يستطع حماية نفسه وايران من بعده.
[email protected]