نبضات
رغم ذلك اللغط الدائر منذ يومين حول جائزة شهيرة، إلا أننى وجدتنى لم أغادر بعدُ مؤتمر الأدباء الذى لملم أوراقه منذ عشرة أيام ولت، فما زلت أتساءل ماذا جنى الأدباء من وراء دوراته، وبالأخص دورته الأخيرة، مع وافر تقديرى لجملة من التوصيات التى أجل القليل منها، وأتعجب من كثيرها.
على أننا يجب أولا أن نحدد الفائدة المرجوة من عقد مؤتمر بهذا الحجم وتلك التكلفة، ويتماس اسمه مع صفوة المثقفين؛ الأدباء منهم.. وهل أصابت تلك الدورة الهدف الأساس من عقدها أم ما زلنا نحرث فى بحر التكرار واللاهدف؟
مثلما هو شائع، فإن الهدف الأهم لمؤتمر الأدباء هو تلاقى الأدباء والتفافهم حول أزمات الثقافة والأدب ومحاولة الوصول لحلها، والأهم هو تسليط الضوء على الإبداع الأدبى فى مصر من خلال المتابعات النقدية والإعلامية المصاحبة للمؤتمر، واكتشاف شباب الأدباء وتهيئة مناخ الظهور والانتشار لهم..
ولست بحاجة هنا لطرح السؤال البديهي: هل حققت أى من دورات المؤتمر تلك الأهداف أو بعضها بشكل ملموس وفاعل؟
والإجابة تكمن فى ذلك الواقع الأليم الذى يغمر الحياة الأدبية بمصر، فمازلنا ندور فى فلك الأزمات التى لا تجد حلولا ناجعة، ومازال كثير من شباب الأدباء الحقيقيين فى عزلة وربما يصيبهم الشيب ويلقون ربهم ويذهب إبداعهم طى النسيان والإهمال.
والحقيقة التى لا يجب غض الطرف عنها أن أسباب إخفاق مؤتمر أدباء مصر تتلخص فى جملة من الأخطاء التى نصر على ارتكابها وكأنها طقس لا يمكن هجره، تكمن معظمها فى معايير اختيار القائمين على المؤتمر، بدءا برئيسه وأمانته العامة واللجان المنبثقة منها، انتهاء وبداية بالأدباء المشاركين.
فحين اختيار كل ما سبق لابد أن تتوافر بضعة شروط تنص عليها لائحة المؤتمر؛ فلابد أن يكون الرئيس أديبا أو مفكرا متحققا على المستويين الوطنى والقومى، وأن يكون صاحب إنجازات أدبية أو فكرية متميزة، وإذا ما اتخذنا الدورة الأخيرة للمؤتمر مثلا، ومع احترامى لـ«مساهماته» المعدودة جدا فى عالم الأدب، ومشواره الفني، هل كان د. مدحت العدل مطابقا لتلك الشروط؟
ومن واقع الدورة الأخيرة ذاتها، ومن بين ما شاهدته وشاهده كثيرون غيري، أتساءل: كيف يتم اختيار أمانة تنظيم المؤتمر، خاصة مع تلك الأخطاء التنظيمية الفادحة والتى كان أقلها تأخر انعقاد الجلسات والندوات وعدم تناسب قاعات قصر ثقافة العريش لتلك الندوات، ويصل بعضها لوجود بعض الأعضاء ممن هم دون المستوى، ولا يعون دورهم فى تذليل العقبات، فراحوا يختلقون المشاكل ويصعدون من حدتها، وكأنهم يتعمدون لفت الانتباه أو النيل من بعض ضوء حرموا منه طيلة «مشوارهم» الأدبى المجهول.
بل كيف يتم اختيار الأدباء المشاركين بالمؤتمر، وأنا شخصيا قد رأيت وجوها تتكرر لأكثر من دورة متتالية، رغم نص اللائحة على عدم مشاركة الأديب لدورتين متتاليتين، وهو ما ينحو بالبعض للتحايل على القانون بأشكال شتى، تتدخل فيها المحسوبية والقرب من رئيس نادى الأدب المرشح للأسماء وغيرها، مما جعلنا نرى أسماء مجهولة، تمثل أدباء محافظاتها، وهو ما يفسر كثيرا من السلوكيات غير الراقية التى شهدتها الدورة الأخيرة، والتى لا تخرج بأى حال من مبدع مثقف.
ناهيك عن عدم وجود أى من الشخصيات العامة أو الأدباء ذوى الثقل، أو الباحثين الأكاديميين المرموقين، وهو ما يدعونى للتساؤل: من المستفيد من خروج تلك الدورة بهذه الهشاشة، أين أعضاء أمانة المؤتمر الموقرون من طرح مقترحات تحقق أهداف المؤتمر الحقة؟ لماذا لا يدعى الأدباء الفائزون بجوائز الدولة والجوائز المرموقة داخليا وخارجيا، أليسوا أدباء فى نظر المنظمين؟ ولماذا لا توجه الدعوة لأقسام اللغة العربية بالكليات المختلفة لترشيح من يمثلهم بالمؤتمر من أكاديميين فاعلين فى المشهد الثقافي، وباحثين متحققين، يمكنهم الخروج بجلسات بحثية «محترمة»، وليس فى مستوى ندوة تناقش ديوانا أو كتابا، على يد «كاتب» وليس باحثا أو ناقدا؟
نحن هنا نتحدث عن مؤتمر (أدباء) مصر، الذى صار مع الأسف يدار بمنطق (ندوات وسط البلد)، كل كاتب يصطحب «صديقه» وكل رئيس نادى أدب يرشح «مقربيه»..
هكذا صارت النتيجة التى تتكرر دورة تلو أخرى، مؤتمرا مفرغا من أهدافه، وملايين الجنيهات المهدرة، فلا نحن خرجنا بخطة إنقاذ لأزمات الثقافة، ولا اكتشفنا أديبا شابا مغمورا، ولا تواصل الأدباء تواصلا هادفا، بل كان تجمعهم أشبه بتجمعات «كافيهات» وسط البلد، أو كأنهم فى نزهة يتكالب عليها القاصى والداني.
وهنا أرى ضرورة تدخل الدكتور أحمد هنو، وزير الثقافة، وأنا أدرك تماما من خلال عملى فى الملف الثقافى ولقاءاتى به، حرصه على تحسين بل وإنقاذ المشهد الثقافى المصرى... سيدي، افعلها، بيدك، فإما أن يوكل الأمر لأهله وينقذ وجه أدباء مصر الحقيقيين، أو فلتطلق رصاصة الرحمة على مؤتمر لم يعد يمثل مبدعى مصر.