اتجاه
على غير ما يتحدث الإعلام، وسياسيون حول العالم، عن النفط سبب أساسي، يسبق دافع الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، الذى غامر بضربة عسكرية لدولة فنزويلا، واعتقال رئيسها، نيكولاس مادورو وزوجته، بما قال إنه بسبب المخدرات، هناك أسباب أكثر واقعية، ربما تتعلق بطبيعة وشخص»ترامب» نفسه، التى تتسق مع سلوكياته وتصرفاته، مظاهر متعددة، أقلها اندفاعاته وشعوره بالزهو والغطرسة، على مادونه من رؤساء وحكام، وشغفه فى استعراض قدرات ونفوذ، كما لو أنه من يدير الكون، ولا يريد شركاء ومنافسين، وفد بدت هذه العلامات، حتى قبل أن يتسلم منصب الرئاسة، قبل عام، عندما راح يتوعد بحرب اقتصادية شاملة، باسم «أمريكا أولاّ».
< قد يكون الرئيس»ترامب»، أراد أن يعوض خسائره، فى معركة الرسوم الجمركية، التى أربك بها غالبية الدول، إلا دولة الصين الشعبية، التى أرغمته على التراجع والاستسلام، وبالتالى عمل على سيناريو عسكرى ضد فنزويلا، أولاّ: ليمنع البترول الفنزويلى عن الصين، ويضع اقتصادها فى منطقة حرجة، وثانياّ: لتحييد النفوذ الروسى والصينى، فى منطقة- يعتبرها الأمريكيون- حديقة خلفية لبلدهم، والسبب الثالث: قطع علاقة التضامن والدعم عن إيران، وهو ما يريح إسرائيل، ويمتن له رئيس وزراؤها، بنيامين نتياهو، طالما تطابقت الأفعال العدوانية، واستخدام القوة التوسعية، لانتهاك سيادة الدول والشعوب- كما فى تهديداتهم- فى أى مكان وأى زمان فى العالم.
< ما جرى فى فنزويلا، فجر السبت الماضى، ما هو إلا استعراض شخصى»محض»، للرئيس دونالد ترامب، أكثر منه استعراضاّ لقوة ونفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، ربما لشعوره بهزائم سياسية عديدة، أفقدته هيبته ونفوذه، كرئيس لأقوى دولة فى العالم، أمام صلابة موقف الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، بشأن النزاع فى أوكرانيا، وقدرة الرئيس الصينى، هوشى جين بينج، على تجاوز التهديدات الاقتصادية، وحتى السياسية المتعلقة بـ»تايوان»، إلى جانب المخاوف الأمريكية، من محور شرق آسيا- الصين وروسيا وكوريا الشمالية- وإلى جانبه الهند، العضو المؤسس لمجموعة»بريكس»، وما يجرى التخطيط له، لإرساء نظام عالمى جديد، يتخطى أمريكا، إلى نظام متعدد الأقطاب.
< ولو أن استعراض «ترامب»، لقوة ونفوذ بلاده، يرتبط أساساّ بملف الطاقة فى فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطى نفطى فى العالم- 300 مليار برميل- وهو أمر لا يفارق «هوس ترامب»، بأهمية إبقاء هذا المورد تحت المراقبة السياسية، أولاّ: لتفادى أى تقلبات»عميقة» فى أسواق الطاقة، وثانياّ: ليقول للأمريكيين، أنه الرئيس الذى بفضله، يُمكِن لـ»واشنطن» التحكم فى خريطة الطاقة العالمية، وهى مبررات قد يراها المسئولون فى إدارته، بديلاّ لتفويضات الكونجرس، الذى يتجاهلها «ترامب» فى أى عمل عسكرى، باعتبار أن هناك تهديدات قائمة لدول لاتينية، أن تلاقى المصير نفسه، إذا تجاوزت الخطوط الحمراء، بالتقارب مع قوى منافسة للولايات المتحدة.
< ما يبدو فى سلوك الرئيس»ترامب»، انه لا ينظر بجدية للقلق الأمريكى، من تآكل النفوذ التقليدى، ومن عالم يتجه للتعددية والتنافس»العنيف»، على النفوذ وثروات الدول»الضعيفة»، بقدر ما يهمه استعادة نفوذه الخاص، ولو باسم القوة الأمريكية، والفرق واضح فى مغامرة فنزويلا، عما كانت سياسة تغيير الأنظمة، ترتبط بقضايا مصيرية للولايات المتحدة، مثل التصدى للشيوعية، والجغرافيا السياسة، والأمن الاقتصادى.. إلخ، وتاريخها الأسود، الذى بدأ من إيران، فى عام 1953، حتى عام 2003 فى العراق، مروراّ بدول أفريقية ولاتينية، تكشف إلى أى مدى، تفرض السياسة الأمريكية قواعدها الخاصة، لانتهاك سيادة الدول وإسقاط الأنظمة، ثم اعتقال الرؤساء، فى الحصر 5 رؤساء، بدأت مع «أورتيجا» فى بنما 1989، وانتهت مع «مادورو».. غير ما قد يفاجئ به «ترامب».