القضاء الفرنسي يدين حملة تنمر إلكتروني ضد بريجيت ماكرون
في سابقة قانونية لافتة، أصدرت محكمة في باريس أحكامًا بإدانة عشرة أشخاص بتهمة التنمر الإلكتروني ضد بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد ثبوت تورطهم في نشر ادعاءات كاذبة وإهانات منظمة عبر الإنترنت.
القضية، التي تابعتها وسائل إعلام فرنسية وبريطانية من بينها هيئة الإذاعة البريطانية، أعادت تسليط الضوء على خطورة حملات التشهير الرقمية، وحدود حرية التعبير عندما تتحول إلى إساءة ممنهجة.
وبحسب حيثيات الحكم، رأت المحكمة أن المتهمين روجوا معلومات غير صحيحة حول هوية بريجيت ماكرون الجندرية وميولها الجنسية، إلى جانب تعليقات وصفتها القاضية بـ«الخبيثة» بشأن فارق السن البالغ 24 عامًا بينها وبين زوجها الرئيس الفرنسي.
المحكمة اعتبرت أن هذه التصريحات لم تكن مجرد آراء، بل جزءًا من حملة تنمر وتشويه متعمدة استهدفت الإساءة الشخصية والتحريض عبر الفضاء الرقمي.
العقوبات التي صدرت تفاوتت في شدتها. فقد حُكم على أحد المتهمين بالسجن ستة أشهر مع النفاذ، بينما نال ثمانية آخرون أحكامًا بالسجن مع وقف التنفيذ تراوحت بين أربعة وثمانية أشهر، وهو ما يعادل الخضوع لفترة اختبار قانونية وفق النظام القضائي الفرنسي.
أما المتهم العاشر فتمت معاقبته بغرامة مالية، إضافة إلى إلزامه بحضور دورة تدريبية توعوية حول خطورة خطاب الكراهية والتنمر، كما قررت المحكمة حرمان ثلاثة من المحرّضين الرئيسيين في القضية من استخدام حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ستة أشهر.
جذر القضية يعود إلى نظرية هامشية انتشرت على الإنترنت خلال السنوات الأخيرة، تزعم ـ دون أي دليل ـ أن بريجيت ماكرون وُلدت رجلًا باسم جان-ميشيل تروغنو، وهو في الواقع اسم شقيقها الأكبر.
هذا النوع من الادعاءات يندرج ضمن ما يُعرف بظاهرة التحقيقات الجندرية الزائفة، وهي أسلوب شائع في نظريات المؤامرة الرقمية، يُستخدم في آن واحد للتحريض ضد المتحولين جنسيًا والتنمر على أشخاص لا علاقة لهم بتلك الادعاءات.
الخبراء يرون أن هذا النمط من الخطاب يخلط عمدًا بين التضليل والإساءة، مستغلًا سرعة انتشار المحتوى على المنصات الاجتماعية.
حملة التشهير ضد بريجيت ماكرون اكتسبت زخمًا إضافيًا بسبب عامل العمر، فالسيدة الأولى تبلغ 72 عامًا، أي أنها تكبر الرئيس إيمانويل ماكرون بـ24 عامًا، ورغم أن الزوجين تزوجا منذ عام 2007، ظل فارق السن موضوعًا متكررًا في النقاشات الإعلامية والشعبية، وغالبًا ما استُخدم بشكل سلبي في سياق الانتقادات أو السخرية، خصوصًا خلال مسيرة ماكرون السياسية.
القضية لم تتوقف عند حدود فرنسا. ففي يوليو 2025، تقدمت بريجيت ماكرون بدعوى تشهير أمام القضاء الأمريكي ضد كانديس أوينز، وهي مقدمة بودكاست أمريكية معروفة بمواقفها اليمينية ونشاطها في ترويج نظريات المؤامرة.
أوينز دأبت منذ عام 2024 على تكرار الادعاءات نفسها حول هوية ماكرون الجندرية، وذهبت إلى حد التصريح بأنها مستعدة للمراهنة بـ«سمعتها المهنية بالكامل» على صحة تلك المزاعم، رغم نفيها القاطع وغياب أي أدلة موثوقة.
الحكم الصادر في باريس يُنظر إليه على أنه رسالة واضحة بشأن مسؤولية الأفراد عن المحتوى الذي ينشرونه عبر الإنترنت، حتى عندما يتم ذلك تحت غطاء الرأي أو النقاش العام. كما يعكس توجهًا متزايدًا داخل القضاء الأوروبي للتعامل بصرامة مع التنمر الإلكتروني، خاصة عندما يُستخدم لتشويه السمعة أو التحريض على الكراهية ضد شخصيات عامة.
في المحصلة، تؤكد هذه القضية أن الفضاء الرقمي لم يعد منطقة خارج القانون، وأن الادعاءات الكاذبة وحملات التشهير قد تترتب عليها عواقب قانونية حقيقية. وبينما تستمر النقاشات حول حدود حرية التعبير، يبدو أن الرسالة الأبرز من هذا الحكم هي أن النقد المشروع يختلف جذريًا عن الإساءة المنظمة، وأن حماية الأفراد من التنمر باتت أولوية لا يمكن تجاهلها في العصر الرقمي.