صعود الذهب يكشف أزمة الدولار ومخاوف النظام المالي العالمي
في عالم تهتز فيه موازين الاقتصاد بوتيرة متسارعة، لم يعد صعود الذهب مجرد انعكاس طبيعي لتقلبات الأسواق أو توترات السياسة الدولية، بل أصبح مؤشرًا كاشفًا لخلل أعمق يضرب قلب النظام المالي العالمي، فكلما لمع بريق المعدن الأصفر، تزايدت التساؤلات حول العملة التي كانت لعقود طويلة عماد التجارة الدولية ومخزن الثقة الأول: الدولار الأمريكي.
وسط هذا المشهد، تتصاعد موجات الإقبال على الذهب كملاذ آمن، ليس فقط من قبل الأفراد والمستثمرين، بل أيضًا من البنوك المركزية والدول الباحثة عن تحصين احتياطاتها من صدمات مفاجئة، وهنا يبرز سؤال جوهري: هل صعود الذهب ناتج عن ضعف عام في العملات الورقية، أم أن الأزمة أعمق ومحصورة في الدولار تحديدًا؟
مرض الدولار المحرّك الرئيسي
في هذا الإطار، أكد الدكتور ممدوح سلامة، خبير الاقتصاد، أن الارتفاع القياسي في أسعار الذهب لا يعود إلى انهيار شامل في العملات الورقية، بل إلى ضعف الدولار الأمريكي على وجه الخصوص.
وأوضح سلامة أن العديد من العملات العالمية لا تزال في وضع قوي ومستقر، مشيرًا إلى أن اليورو يتمتع بحالة جيدة، واليوان الصيني قوي جدًا، فيما يُعد الروبل الروسي الأقوى عالميًا في الوقت الراهن.
كما أشار إلى أن بعض العملات المرتبطة بالدولار، مثل الريال السعودي ودرهم الإمارات، تحافظ على استقرارها بفضل هذا الارتباط، إلى جانب الروبية الهندية التي تُظهر قدرًا ملحوظًا من الصلابة.
الذهب مرآة لأزمة الدولار
وشدد سلامة على أن الحديث عن صعود الذهب هو في حقيقته حديث عن أزمة الدولار، قائلًا: «ما كان سعر الذهب ليرتفع بهذا الشكل لو أن الدولار غير مريض… مرض الدولار هو المحرك الأساسي لهذا الارتفاع الهائل».
ورأى الخبير الاقتصادي أن التحول المتزايد نحو الذهب لا يعبّر فقط عن البحث التقليدي عن الأمان، بل عن تراجع الثقة في القوة الشرائية للدولار، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية.
وأضاف أن التحليل الأعمق يرتبط بالوضع الداخلي للاقتصاد الأمريكي، الذي وصفه بأنه «مهلهل بشكل خاص»، نتيجة تراكم الديون وعجز الميزانية.
وأكد سلامة أن الديون الأمريكية بلغت في عام 2025 نحو 39.5 تريليون دولار، أي ما يعادل 126% من الناتج الإجمالي الأمريكي، وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد الأمريكي الحديث.
وأضاف أن الخطورة لا تكمن فقط في حجم الدين، بل في استحالة سداده فعليًا، ما يضع الدولار تحت ضغط دائم ويدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل أكثر أمانًا، في مقدمتها الذهب.
الدولار ما زال مهمًا… ولكن
ورغم هذا التراجع، أشار سلامة إلى أن الدولار لا يزال يحتفظ بأهمية نسبية، كونه عملة رئيسية في التجارة العالمية وعملة تسعير النفط، وهو ما يمنحه هامشًا من القوة المؤقتة، إلا أن هذه المكانة لم تعد كافية لحمايته من تداعيات الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الأمريكي.
في المحصلة، يعكس صعود الذهب اليوم تحولًا استراتيجيًا في نظرة العالم إلى النظام النقدي الدولي. فالمعدن الأصفر لم يعد مجرد أداة تحوط، بل أصبح لغة اقتصادية جديدة تعبّر عن القلق من مستقبل الدولار وعن رغبة متزايدة في إعادة رسم خريطة الثقة المالية عالميًا.