الاقتصاد الأخضر الزراعي.. خيار استراتيجي لمواجهة التغير المناخي وضمان الأمن الغذائي
مع تزايد حدة التغير المناخي وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة، باتت الزراعة أكثر القطاعات تأثرًا بهذه التداعيات، مما يضع ضغوطًا كبيرة على الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات، خاصة في الدول ذات الموارد المائية المحدودة مثل مصر.
وفي هذا السياق، يتصاعد الحديث حول ضرورة التحول إلى الاقتصاد الأخضر الزراعي، كخيار استراتيجي يوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية ويحقق استدامة الإنتاج على المدى الطويل.
خيار بيئي أو رفاهية تنموية
أكد الدكتور ثروت إمبابي، أستاذ مساعد بكلية الزراعة جامعة بنها، أن الاقتصاد الأخضر لم يعد مجرد خيار بيئي أو رفاهية تنموية، بل أصبح ضرورة حتمية لمواجهة تحديات التغير المناخي وتأمين مستقبل الزراعة المصرية.
وأضاف أن هذا النموذج يسعى لتحقيق نمو اقتصادي منخفض الانبعاثات، مع تعظيم كفاءة استخدام الموارد، والحد من التدهور البيئي، وهو أمر بالغ الأهمية للقطاع الزراعي المتأثر مباشرة بارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار وندرة المياه وتدهور خصوبة التربة.
وأشار إمبابي إلى أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر الزراعي يمثل انتقالًا نوعيًا من منطق التكيف المحدود إلى منطق التحول الشامل، من خلال تطبيق الزراعة الذكية المعتمدة على التقنيات الرقمية مثل إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي ونظم الري الدقيق، التي تقلل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 30%، وتحسن كفاءة استخدام الأسمدة والطاقة، وترفع معدلات الإنتاجية.
وأضاف أن الزراعة المتجددة تساهم في إعادة بناء صحة التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والكربون، مما يعزز قدرة النظم الزراعية على الصمود أمام الصدمات المناخية.
كما أوضح إمبابي أن الاقتصاد الدائري الزراعي يعد ركيزة أساسية في هذا التحول، حيث يتيح إعادة تدوير المخلفات الزراعية وتحويلها إلى مدخلات إنتاجية ذات قيمة مضافة، سواء على شكل أسمدة عضوية أو طاقة حيوية، ما يقلل الهدر ويخفض تكاليف الإنتاج. وشدد على أهمية تفعيل آليات التمويل الأخضر التي تربط بين الدعم والحوافز وتحقيق نتائج بيئية قابلة للقياس، لتشجيع المزارعين على تبني الممارسات المستدامة دون الإضرار بدخلهم أو جدوى إنتاجهم.
ورغم الفوائد الكبيرة لهذا التحول، أشار إمبابي إلى وجود تحديات عدة، أبرزها ضعف الأطر التشريعية، وارتفاع تكلفة التكنولوجيا الحديثة، ونقص الكوادر المتخصصة، إضافة إلى مقاومة التغيير في بعض البيئات الريفية. وفي هذا السياق، أكد على الدور المحوري للبحث العلمي والجامعات في إنتاج المعرفة ونقل التكنولوجيا إلى الحقول الزراعية، وبناء نماذج تطبيقية تربط بين نتائج الأبحاث والواقع العملي للمزارعين.
واختتم إمبابي تصريحاته بالتأكيد على أن الاقتصاد الأخضر في الزراعة ليس مشروعًا بيئيًا معزولًا، بل خيارًا استراتيجيًا لإعادة بناء القطاع الزراعي على أسس أكثر كفاءة وعدالة واستدامة، مشددًا على أن الرهان الحقيقي لم يعد على زيادة الإنتاج بأي ثمن، بل على إنتاج ذكي يحافظ على الموارد، ويعزز القدرة التنافسية، ويضمن الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
وأوضح أن إشراك المزارع في هذا التحول وتحويل البحث العلمي إلى أداة للتغيير الواقعي هو السبيل لنقل الزراعة من موقع التأثر بالتغير المناخي إلى موقع القيادة في مواجهته.
