لم أكن أبحث عن "مسرح السجون" حين ذهبت إلى تونس.. كنت هناك في إطار بحثي الميداني للدكتوراه، أتنقّل بين العروض، وأراقب كيف يتحرك المسرح في المدينة، في الشارع، في اللغة، وفي الوعي، لكن بعض الأفكار لا تأتيك وأنت تطاردها، بل تصادفك فجأة، في جلسة هادئة، أو حديث جانبي، أو اعتراف عابر.
في إحدى هذه الجلسات، وجدت نفسي أمام فكرة صادمة في بساطتها: المسرح داخل السجن.. قالها لي المخرج والمؤلف التونسي الكبير محمد منير العرقي كأنها أمر طبيعي، بلا ادّعاء ولا بهرجة، هو يعمل على مسرحية تُقدَّم داخل السجون، مع نزلائها، ومن واقعهم.. لحظتها، لم أفكّر في العرض، ولا في النص، ولا في الإخراج، فكّرت في الإنسان.
في تونس، لا يُنظر إلى السجن بوصفه نهاية القصة، بل مرحلة قاسية داخلها، ومن هنا، جاء المسرح لا كزائر شرف، بل كجزء من مشروع أوسع.. إعادة تأهيل الإنسان، لا فقط ضبطه، ولم تأتِ فكرة مسرح السجون هناك من فراغ، ولا وُلدت كمغامرة عابرة، فهي امتداد طبيعي لتاريخ طويل آمن فيه المسرح التونسي بدوره الاجتماعي، منذ عقود، حين كان مشغولًا بالهامش، وبالإنسان المنسي، وبالأسئلة الصعبة التي لا تجد لها مكانًا في الخطاب اليومي.
لكن التحوّل الأوضح بدأ خلال السنوات الأخيرة، حين تلاقت إرادة فنية مع توجّه مؤسسي، ففُتحت أبواب السجون — ولو جزئيًا — أمام المسرحيين.. هنا لم يعد السجين مجرد متلقٍ للعرض، بل شريكًا فيه: يكتب، ويمثل، ويحكي، ويعيد النظر في حكايته الشخصية من زاوية أخرى.
مسرح السجون في تونس ليس نشاطًا ترفيهيًا، ولا فعالية موسمية، بل هو فعل ثقافي عميق، يقوم على فكرة بسيطة ومقلقة في آن واحد مفادها أن الإنسان، مهما أخطأ، لا يفقد صوته.
ومع الوقت، تحوّل ما بدأ كورش تجريبية داخل المؤسسات العقابية إلى عروض مسرحية حقيقية، بعضها خرج من أسوار السجن ليُقدَّم ضمن مهرجانات كبرى، مثل أيام قرطاج المسرحية، وكانت تلك اللحظة — لحظة خروج السجين إلى الخشبة أمام جمهور عام — فعلًا رمزيًا بالغ الدلالة.. إنسان كان معزولًا خلف الجدران، يقف الآن في مواجهة المجتمع، لا بوصفه متهمًا، بل فنانًا.
هذه التجربة لم تُقابل بالدهشة فقط، بل حققت نجاحات ملموسة، نجاحًا إنسانيًا، حين استعاد المشاركون ثقتهم في أنفسهم، ونجاحًا ثقافيًا، حين تحوّلت العروض إلى مساحة نقاش عام حول العدالة والحرية والاختيار، ونجاحًا اجتماعيًا، حين أثبتت أن الفن يمكن أن يكون جزءًا أصيلًا من منظومة التأهيل.
وأنا أتابع هذه التجربة بنفسي خلال بحثي الميداني، لم أستطع أن أفصلها عن ما يجري اليوم في مصر، من إعادة نظر شاملة في فلسفة العقاب، وتغيير مسمى السجون إلى "مراكز الإصلاح والتأهيل"، هذا التحوّل في التسمية ليس تفصيلة لغوية، بل إعلان عن رؤية جديدة ترى في السجين إنسانًا قابلًا للتغيير، لا رقمًا يُغلق عليه الباب.
لكن السؤال الأهم يظل مطروحًا: كيف نملأ هذا المفهوم الجديد بالمضمون؟
مراكز الإصلاح والتأهيل لا تكتمل بالجدران الحديثة وحدها، ولا بالانضباط الإداري فقط، بل تحتاج إلى أدوات تعيد بناء الوعي والذات، وهنا، يصبح المسرح — بما يحمله من اعتراف، ومواجهة، وتعبير — أداة بالغة الأهمية داخل هذه المراكز.
المسرح لا يبرّئ الخطأ، لكنه يمنع الخطأ من أن يصبح قدرًا، لا يلغِي العقوبة، لكنه يمنحها معنى إنسانيًا، وهو، في هذا السياق، ليس نشاطًا ثقافيًا إضافيًا، بل جزءًا من فلسفة الإصلاح نفسها، والتجربة التونسية لا تُقدَّم هنا بوصفها نموذجًا يُستنسخ، بل خبرة قريبة ثقافيًا، تُظهر كيف يمكن للفن أن يشارك بفاعلية في إعادة تأهيل الإنسان، حين تتوافر الإرادة والرؤية.
ربما لا يكون كل سجين ممثلًا، لكن كل إنسان يملك حكاية، وحين يدخل المسرح إلى مراكز الإصلاح والتأهيل، فهو لا يعلّم التمثيل فقط، بل يفتح بابًا للإنصات، ولإمكانية أن يبدأ الإنسان من جديد، وربما لا يغيّر المسرح مصير السجون وحده، ولا يحمل عصا سحرية لإصلاح ما أفسدته السنوات، لكنه يملك ما هو أثمن: القدرة على أن يذكّرنا بأن خلف كل باب مغلق إنسانًا لم تنتهِ حكايته بعد.
وحين تسمح الدولة، والمجتمع، والثقافة، بأن يدخل المسرح إلى هذا المكان القاسي، فإنها لا تفتح بابًا للفن فقط، بل تفتح نافذة للمعنى، ففي اللحظة التي يقف فيها الإنسان على الخشبة، حتى ولو كانت خلف الأسوار، يتراجع السجن خطوة إلى الخلف، ويخرج الإنسان إلى النور، ولو للحظة.