«يا خبر»
تم اللقاء الذى كان الكل يترقبه، الذى جمع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى فلوريدا، ومثلما كان النقاش السياسى قبله كثيرا، فالنقاش بعده لم ينته، حيث عاد المشهد الإقليمى ليتصدّر الواجهة، ما تزال الملفات متشابكة فى غزة وإيران وسوريا ولبنان، وتتداخل الاعتبارات الأمنية بالحسابات السياسية والانتخابية لدى الطرفين (الولايات المتحدة وإسرائيل).
جاءت مخرجات اللقاء المعلنة محملة برسائل تفاؤل وتأكيدات على التفاهم، فى حين ثمة تباينات حادة،غير معلنة ومقايضات محتملة، وألغام مؤجلة قد تعيد رسم مسارات الصراع فى منطقة الشرق الأوسط.
بغض النظر عن المجاملات البروتوكولية والإطراء المبالغ فيه من كل طرف للآخر، ليس خافيا أن السعى الأمريكى «على الطريقة الترامبية» إلى إدارة الأزمات وتحصيل مكاسب سياسية، مازال يتقاطع مع محاولات نتنياهو تكريس وقائع ميدانية وأمنية، فى ظل واقع فلسطينى مأزوم، ومشهد إقليمى مفتوح على احتمالات التصعيد بقدر ما هو مفتوح على تفاهمات ظرفية لا تتجاوز فى معظمها حدود إدارة التفاصيل.
محصلة اللقاء عبارة عن عناوين عريضة غير محددة على وجه الدقة أو أنها تحتمل التأويل، فمثلا تم الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة قريبا ولم يعلن على وجه الدقة متى؟، فعلى الرغم من قبول نتنياهو بالانتقال للمرحلة الثانية رغم وجود خلافات على آلية تنفيذها، لم يخلو حديث ترامب من نبرة التهديد لحركة حماس، والتأكيد على أن الوقت قصير للغاية أمام الحركة لكى تسلم سلاحها، وإلا فإنها ستدفع ثمنا باهظا، وهنا يتحدث ترامب من معسكر نتنياهو متجاهلا حديثه عن تشكيل قوة دولية لحفظ الاستقرار وانسحاب إسرائيل من القطاع، واعتبار نزع سلاح حماس أساسا للمرحلة الثانية، وجعل مهمة هذه القوة الدولية نزع سلاح حماس، رغم أن نص وجودها فى الاتفاق هو مراقبة تنفيذ مراحل الاتفاق فقط، ولن توافق الدول المرشحة للانضمام لهذه القوة على الصدام مع حماس لاسيما القوة العربية، كما كان واضحا أن ترامب لم يتحدث عن الوضع الإنسانى المتردى فى غزة والناس التى تموت من البرد والجوع.
تجاهل اللقاء الإجابة عن أسئلة مهمة، خاصة ما يتعلق بطريقة نزع السلاح وإعادة الإعمار وإدخال المساعدات وتشكيل القوة الدولية ومهامها والمشاركين فيها ومجلس السلام، إذ لم يتوصل ترامب ونتنياهو إلى رؤية توافقية فى آلية أو مدة تفكيك سلاح حماس، وكذلك طبيعة القوة الدولية المقترحة أو هوية الحكومة التكنوقراطية، فلن يكون ممكنا الحديث عن الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق ما لم يتم الإجابة الدقيقة على هذه الأسئلة.
الشاهد أن إسرائيل لا تزال تعرف المرحلة الثانية وفق تصورها وعلى طريقتها، حيث ألغت عمل 20 مؤسسة إغاثية بقطاع غزة مما يعنى أن الجهد كله سينصب على نزع السلاح دون أى قضية أخرى.
الخلاصة أن ما تم يوم الاثنين الماضى بين ترامب ونتنياهو مجرد مقايضة بين دعم ترامب لنتنياهو انتخابيا وطلب العفو عنه من الرئيس الإسرائيلى، حيث تشير التقديرات داخل الأوساط السياسية الإسرائيلية والأمريكية، إلى أن نتنياهو استقر على تقديم موعد الانتخابات إلى شهر يونيو 2026، وتقديم دعوة لترامب لزيارة إسرائيل فى مايو المقبل لتسلم «جائزة إسرائيل»، هذا بالطبع سيعزز فرضية تقديم موعد الانتخابات ويظهر ترامب بجانب نتنياهو فى حملته الانتخابية، مقابل انضباط نتنياهو تحت سقف المصالح الأمريكية قبل أشهر قليلة من الانتخابات النصفية الأمريكية، إلى جانب إعلان نتنياهو موافقة صريحة أمام الرأى العام الدولى على بدء المرحلة الثانية، وفتح معبر رفح فى الاتجاهين والموافقة على بدء عمليات إعادة الإعمار فى منطقة رفح فى المناطق التى يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلى داخل «الخط الأصفر».
للأسف لا يزال الغموض يهيمن على تفاصيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة، والحل فى رأيى أن ينخرط أكثر الوسطاء والضامنون الإقليميون فى الاتفاق ومحاولة إقناع الرئيس ترامب بصيغة جديدة توازن بين مسألة السلاح والمسألة الإنسانية وإعادة الإعمار، وهى مهمة لن تتحقق قريبا، وطلب موعد دقيق لبدء المرحلة الثانية، حتى لا نكون أمام مجرد عناوين بلا زمن، كأننا فى دائرة مغلقة «نلف نلف نلف» دونما الوصول إلى نتيجة.