رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شي إن تربك السوق الأوروبي

بوابة الوفد الإلكترونية

في أقل من عشر سنوات فقط، نجحت منصة الأزياء الصينية العملاقة شي إن في إعادة رسم خريطة تجارة الملابس حول العالم، لتصبح اللاعب الأول عالميًا من حيث الحصة السوقية، وأسرع الشركات نموًا خلال العام الماضي، بحسب بيانات GlobalData. 

هذا الصعود الصاروخي لم يضعها فقط في صدارة المشهد، بل دفع عمالقة الصناعة التقليديين مثل زارا التابعة لمجموعة إنديتكس وH&M السويدية إلى مواقع الدفاع، بعدما اعتادوا لعقود طويلة على الهيمنة على هذا القطاع.

تحتل زارا حاليًا المركز الثاني عالميًا من حيث الحصة السوقية، تليها H&M في المركز الثالث، إلا أن الفارق يتسع بسرعة لصالح شي إن، التي عززت وجودها بقوة في أوروبا خلال الفترة الأخيرة. القلق الحقيقي لدى العلامات الأوروبية لا يكمن فقط في المنافسة السعرية، بل في نموذج الأعمال الجديد الذي تقدمه الشركة الصينية، والذي يبدو أنه يتوسع ويتجذر في القارة العجوز بوتيرة متسارعة.

التحولات الأخيرة في التجارة العالمية لعبت دورًا محوريًا في هذا المشهد. فمع تشديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إجراءاته ضد الواردات الصينية، وقراره إغلاق ثغرة جمركية رئيسية تُعرف باسم قاعدة De Minimis في مايو الماضي، تراجعت شحنات الطرود منخفضة القيمة من الصين إلى الولايات المتحدة بأكثر من 40%. هذه الخطوة لم توقف تدفق السلع الصينية، لكنها أعادت توجيهها بشكل شبه كامل نحو أوروبا.

ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن أوروبا أصبحت الوجهة الأولى لما يُعرف بـ"سيل الطرود الرخيصة" القادمة من الصين، متجاوزة الولايات المتحدة لأول مرة. هذا التحول اعتُبر أحد أكبر التغييرات في منظومة التجارة العالمية منذ اندلاع الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، وأسهم في رفع الفائض التجاري الصيني عالميًا إلى أكثر من تريليون دولار للمرة الأولى هذا العام.

على الأرض، لم تعد آثار هذا التحول محصورة في الموانئ الكبرى، بل امتدت إلى ضواحي المدن الأوروبية، حيث انتشرت شبكات لوجستية غير تقليدية تُعرف باسم "اللوجستيات الظلية". هذه الشبكات تتيح للبائعين الصينيين تقليص زمن التسليم بشكل كبير، مع تخفيض التكلفة إلى مستويات يصعب على الشركات الأوروبية منافستها، إذ تصل تكلفة الشحنة الواحدة أحيانًا إلى 70 سنتًا فقط.

هذا الزخم الهائل دفع شركات شحن جوي ناشئة إلى إنشاء ما تصفه بـ"طريق الحرير الحديث". ومع تزايد الضغط على المطارات الكبرى، اضطرت بعض الشركات إلى البحث عن بدائل. شركة One Air البريطانية الناشئة، على سبيل المثال، نقلت عملياتها من لندن إلى مطار إيست ميدلاندز الريفي لتفادي الازدحام، فيما أعاد المطار نفسه تخطيط مساحات الوقوف لاستيعاب الزيادة الكبيرة في طائرات الشحن القادمة من الصين.

في المقابل، يتصاعد القلق بين تجار التجزئة الأوروبيين، الذين يرون أن المنافسة الحالية تهدد وجودهم. ويقول جيوم جيبو، مؤسس علامة الملابس الداخلية الفرنسية Le Slip، إن شركته تبيع قطعة الملابس بسعر يقارب 15 يورو، بينما تطرح منصات صينية مثل شي إن خمس قطع بالسعر نفسه، ما يغير نظرة المستهلكين إلى مفهوم السعر والقيمة، ويجعل المنافسة غير متكافئة.

هذا الضغط المتزايد دفع الساسة الأوروبيين إلى رفع نبرة الخطاب. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صرّح مؤخرًا بأنه هدد بفرض رسوم جمركية على الصين خلال زيارته الرسمية لبكين، في حال عدم اتخاذ خطوات جدية للحد من العجز التجاري المتفاقم بين الاتحاد الأوروبي والصين. وأكد ماكرون أن الفائض التجاري الصيني الحالي غير قابل للاستدامة، لأنه يضر بشركاء الصين التجاريين ويقوض صناعاتهم المحلية.

في حديث لصحيفة ليزيكو الفرنسية، أوضح ماكرون أنه حاول إيصال رسالة واضحة للجانب الصيني مفادها أن تقليص الواردات الأوروبية مقابل تدفق هائل من الصادرات الصينية "يقتل العملاء على المدى الطويل"، ويهدد استقرار التجارة العالمية.

في ظل هذه المعطيات، تبدو أوروبا أمام تحدٍ معقد، يجمع بين حماية صناعاتها المحلية، والتعامل مع واقع جديد تفرضه منصات التجارة السريعة ومنخفضة التكلفة مثل شي إن. وبينما تواصل الشركة الصينية توسيع نفوذها، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة أوروبا على إعادة التوازن إلى سوق باتت قواعده تتغير بسرعة غير مسبوقة.