في عام ٢٠٢٥، تأتي استراتيجية الأمن القومي الأمريكية بوصفها وثيقة كاشفة لتحولات عميقة في نظرة واشنطن إلى العالم، ولم تعد مجرد خطة دفاعية تقليدية، بل إطارًا شاملًا لإدارة النفوذ، وتوازن القوة، وحماية المصالح في نظام دولي يتسم بالاضطرابات والصراعات. حيث تضع الوثيقة "المصلحة الوطنية والاقتصاد القومي" في الصدارة، وتتحول من نهج "قيادة عالمية شاملة" إلى سياسة تركّز على "القوة الداخلية أولًا".
تنطلق الاستراتيجية من إقرار صريح بأن الولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة القادرة على فرض رؤيتها منفردة، وأن العالم يشهد عودة التنافس بين القوى الكبرى، لا سيما مع الصين بوصفها التحدي الاستراتيجي الأبرز، إذ أنها تُعامل كمنافس اقتصادي وتكنولوجي رئيسي، وليس بالضرورة عدوًا عسكريًا مباشرًا. وروسيا باعتبارها تهديدًا أمنيًا مستمرًا، لكنها عدو مُنهك يجب ردعه واحتوائه، لا إسقاطه، ولا مصالحته. هذا الإدراك يعيد تشكيل الأولويات الأمريكية من "مكافحة الإرهاب" إلى "إدارة الصراع طويل الأمد" مع قوى تمتلك أدوات اقتصادية، تكنولوجية، وعسكرية متقدمة.
تركز الاستراتيجية على الردع متعدد الأبعاد، فلا يقتصر على القوة العسكرية، بل يشمل التفوق التكنولوجي، وأمن سلاسل الإمداد، والهيمنة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والأمن السيبراني.
فالحروب في رؤية ٢٠٢٥ لا تبدأ بالدبابات، بل بالهجمات الرقمية، والتلاعب بالمعلومات، والضغط الاقتصادي، وهو ما يفسر توسع مفهوم "الأمن القومي" ليشمل الصناعة، والطاقة، والبيئة، والهجرة غير المنضبطة والجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات، وحتى الصحة العامة.
كما تؤكد الوثيقة على إحياء التحالفات بعد سنوات من الجفاء، معتبرة أن القوة الأمريكية تصبح أكثر فاعلية حين تُمارَس عبر شبكة شركاء، لا من خلال الانعزال والانفراد. إذ أن حلف الناتو، والشراكات في آسيا والمحيط الهادئ، والعلاقات مع الحلفاء التقليديين في الشرق الأوسط، تُطرح كأدوات توازن في مواجهة صعود قوى منافسة، لا كالتزامات أخلاقية بحتة. فالشراكات تُقاس الآن بـ "المنفعة الإستراتيجية والاقتصادية" أكثر من القيم السياسية المشتركة.
في الشرق الأوسط، تعكس الاستراتيجية مقاربة براغماتية واضحة: تقليص الانخراط العسكري المباشر، مقابل إدارة الأزمات عن بُعد، والاعتماد على الشركاء المحليين، مع بقاء أمن الطاقة، وأمن إسرائيل، ومنع الانتشار النووي ضمن الخطوط الحمراء غير القابلة للتفاوض. وفي أفريقيا يزداد التركيز على الشراكات الاقتصادية لا التدخلات العسكرية. أما الديمقراطية وحقوق الإنسان، فتظل حاضرة في الخطاب، لكنها تُوظَّف بمرونة تخضع لمعادلات المصلحة.
خلاصة القول، إن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية ٢٠٢٥ ليست إعلان قوة بقدر ما هي اعتراف بعالم لم يعد يمكن التحكم فيه بالوسائل القديمة والتقليدية. إنها محاولة لإعادة تعريف القيادة الأمريكية في زمن التعددية القسرية، حيث لم تعد الهيمنة مطلقة، بل تُدار عبر مزيج معقّد من الردع، والتحالف، والاقتصاد، والتكنولوجيا، في سباق مُحتدم على مستقبل لم تتضح معالمه بعد.