رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حظر 30 دولة بينها 6 عربية في أكبر تقييد أمني منذ عقدين

بعد وقف برنامج الهجرة العشوائية.. تعرف على الشروط الجديدة للسفر لأمريكا

بوابة الوفد الإلكترونية

- ترامب يعيد هندسة سياسة الهجرة  لخدمة الأمن القومي مقابل  الانفتاح

- عودة "حظر السفر" بصيغة موسعة: الأمن أولاً في سياسة ترامب 2025

- من الهجرة إلى الأمن: قراءة تحليلية في قرار ترامب بإغلاق الأبواب

الولايات المتحدة تدخل عصر "الهجرة الأمنية": تحقيق في فلسفة الحظر الجديد


بعد تأجيله لبرنامج الهجرة الاشهر عالميا فيزا التنوع المشهور ببرنامج الهجرة العشوائية او (اللوتري ) لزمن غير محدد، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ج. ترامب رسم ملامح سياسة الهجرة والأمن في بلاده عبر إعلان رئاسي شامل يقضي بتقييد دخول مواطني عشرات الدول إلى الولايات المتحدة، مبررًا الخطوة بأنها ضرورة لحماية الأمن القومي من “تهديدات متنامية” مصدرها الخارج.

الإعلان الجديد، الذي صدر في ديسمبر 2025، لا يُعد مجرد تحديث إداري لسياسات السفر، بل يمثل تحولًا أمنيًا وإستراتيجيًا عميقًا يعيد إلى الواجهة فلسفة “الأمن أولًا” التي شكّلت العمود الفقري لخطاب ترامب السياسي منذ عام 2016.
من "حظر السفر" إلى منظومة أمنية مستقرة
يقف هذا الإعلان على امتداد سلسلة قرارات تنفيذية سابقة بدأت عام 2017 فيما عُرف آنذاك بـ"حظر السفر"، الذي استهدف عددًا من الدول ذات الغالبية المسلمة قبل أن تقرّ المحكمة العليا الأميركية مشروعيته.
لكن النسخة الجديدة تتجاوز الصيغة المؤقتة وتؤسس لبنية دائمة محكومة بمراجعة دورية كل 180 يومًا، تُجريها وزارات الخارجية والأمن الداخلي والعدل والاستخبارات. ويحول القرار تقييد الدخول من إجراء ظرفي إلى نظام أمني مؤسسي، أي إلى جزء ثابت من منظومة الأمن القومي الأميركي.
ويرتكز القرار على المادتين (212f) و(215a) من قانون الهجرة والجنسية، اللتين تخولان الرئيس سلطة منع دخول أي فئة يرى أن وجودها “يضر بمصالح الولايات المتحدة”. وبذلك، تتحول مشكلة ضعف الحوكمة أو الفساد الإداري في الدول الأجنبية إلى تهديد أمني ينتقل بالعدوى إلى الداخل الأميركي.
خريطة الدول المشمولة بالقيود
يُعيد القرار تنسيق خريطة العلاقات الأمنية مع العالم النامي؛ إذ يشمل الحظر الكامل تسع عشرة دولة أبرزها: أفغانستان، السودان، ليبيا، اليمن، الصومال، إيران، وسوريا. وتعلل الإدارة الأميركية القرار بضعف في نظم التحقق الأمني، غياب الشفافية، وتغلغل الفساد في المؤسسات الرسمية لتلك الدول.
أما الحظر الجزئي فيطال أربع دول – بوروندي، كوبا، توغو، وفنزويلا – إلى جانب خمس عشرة دولة أخرى أضيفت مؤخرًا بينها نيجيريا، موريتانيا، بنين، وغامبيا. كما يطال التقييد السلطة الفلسطينية التي اتُّهمت في البيان بعدم امتلاك منظومة موثوقة لإصدار الوثائق الأمنية في ظل الأوضاع الميدانية.
ويشمل القرار تعليق إصدار تأشيرات الهجرة والدراسة و السفر (B-1، B-2، F، M، J)، وتقليص صلاحية التأشيرات الأخرى، مع بقاء Türkmenistan الدولة الوحيدة التي رُفع عنها جزء من القيود نتيجة “تحسن في تبادل المعلومات الأمنية”.

الأمن القومي ومفاهيم الخطر المتغير
يقدم البيان مفهومًا موسعًا للخطر الأمني لا يقتصر على الإرهاب والجريمة المنظمة، بل يشمل ضعف السجلات المدنية وفساد أنظمة الوثائق. ويصف القرار حالة بعض البلدان بأنها “مناخ مفتوح للتزوير والاحتيال”، وهو ما يجعل التحقق من هوية المسافرين شبه مستحيل.
ويستند هذا المنهج إلى فكرة أن القصور البيروقراطي في الخارج يمكن أن يخلق تهديدًا داخليًا، وهو تحول يعكس صعود "الأمن الإداري" كركيزة جديدة في السياسة الخارجية الأميركية.
كما يهاجم البيان برامج “المواطنة مقابل الاستثمار” (CBI) المنتشرة في دول الكاريبي وأفريقيا، معتبرًا أنها تتيح لأفراد من دول خاضعة للقيود شراء جنسية ثانية واستخدامها للتحايل على الحظر، ما يجعل الهوية نفسها – لا الأفراد – موضع الاشتباه الأمني.

الدوافع السياسية والدبلوماسية
من الزاوية السياسية، يشكل القرار أداة ضغط جيوسياسية على الحكومات التي تتلكأ في التعاون الأمني مع واشنطن أو في قبول المرحّلين من أراضيها. ويربط محللون في واشنطن بين الخطوة الجديدة وبين جهود الإدارة لاستعادة نفوذها في إفريقيا والشرق الأوسط في مواجهة التمدد الصيني والروسي.
ويقرأ دبلوماسيون غربيون القرار بوصفه "مزيجًا من الواقعية والرمزية"؛ فهو لا يكتفي بردع المخاطر المحتملة، بل يوجّه رسالة سياسية مفادها أن الولايات المتحدة ستربط مستقبل علاقاتها الثنائية بمدى الالتزام بمعايير الشفافية والمساءلة الأمنية.
الاستثناءات وتوازن الحزم والمرونة
رغم تشدد القرار، احتفظ بعدد من الاستثناءات، أبرزها للمقيمين الدائمين (حاملي البطاقة الخضراء) ومزدوجي الجنسية الذين يسافرون بجوازات غير مشمولة، إضافة إلى الدبلوماسيين وبعض الرياضيين والأقليات الدينية في إيران.
كما فوّض الوزراء المختصين بمنح إعفاءات فردية إذا اقتضت "مصلحة وطنية عليا" أو اعتبارات إنسانية أو قضائية، في محاولة لإظهار أن المنظومة لا تفتقد المرونة التقديرية.

مراجعة دورية وسرية المعلومات
يُلزم القرار الإدارة بإجراء مراجعة نصف سنوية لمستوى التقدم لدى الدول المعنية، مع إمكانية رفع أو تشديد الحظر بحسب نتائج التقييم. ويشير البيت الأبيض إلى أن تفاصيل تلك التقارير سرية لأنها تتعلق “بتقييمات استخباراتية عالية الحساسية”، في إشارة إلى استمرار الطابع الأمني المغلق لهذه السياسة.
من الناحية الفكرية، يعيد القرار تعريف العلاقة بين الانفتاح والعزلة في النموذج الأمريكي. فمنذ الحرب العالمية الثانية قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها دولة المهاجرين والانفتاح، لكن صعود الخطاب الأمني بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ثم بعد جائحة كورونا، حوّل الهجرة من “رمز قوة ناعمة” إلى مؤشر خطر محتمل.
ويُظهر الإعلان أن إدارة ترامب الثانية تمضي في ترسيخ هذا التحول من خلال رؤية تعتبر أن "كل ضعف خارجي يمكن أن يتحول إلى تهديد داخلي"، ما يعني انتقال الولايات المتحدة من مفهوم التفاعل إلى مفهوم "التحصين الوقائي".
سيناريوهات محتملة
من المرجح أن يُحدث القرار الأمريكي الجديد تداعيات ثلاثية الأبعاد تشمل:
البعد الأمني:
سيعزز القرار أدوات المراقبة والفحص داخل نظام الهجرة الأميركي، ويرفع مطالب التعاون الأمني مع الدول الحليفة. على المدى القصير، ستشعر بعض الحكومات الضعيفة بالضغط لتطوير قواعد بياناتها المدنية والأمنية التزامًا بالشروط الأميركية.
البعد الدبلوماسي:
قد يُثير القرار توترًا في العلاقات الثنائية، خصوصًا مع الدول التي تعتبر القيود "تمييزًا طال أمده". غير أن واشنطن ستسعى لتبريره بوصفه خطوة “وقائية لا سياسية”، مما يمنحها مساحة مناورة تفاوضية تهدف إلى إعادة هندسة التعاون الأمني وفق أولوياتها.
البعد الإنساني والاقتصادي:
على المستوى الاجتماعي، ستتضرر الجاليات الطلابية وبرامج الابتعاث والتبادل، فضلاً عن أن القيود قد تعمّق صورة الولايات المتحدة كدولة تغلّب الأمن على الانفتاح. ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن واشنطن تعتبر هذه التكاليف “ضريبة ضرورية للاستقرار الداخلي”.
وفي سياق أوسع، يشير مراقبون إلى أن عام 2026 سيكون اختبارًا فعليًا لمدى قدرة الإدارة الأمريكية على الموازنة بين أمن الحدود واستمرار دورها كقوة جاذبة عالميًا. فكل مراجعة دورية للقائمة ستتحول إلى أداة سياسية تقيس بها واشنطن التزام شركائها بمعاييرها الأمنية.
وبينما يرى مؤيدو القرار أنه يعيد للولايات المتحدة حقها السيادي في تقرير من يدخل أراضيها، و يحذر منتقدوه من أن "التحصين المفرط" قد يؤدي بمرور الوقت إلى تآكل الجاذبية السياسية والثقافية الأمريكية التي شكّلت ركيزة نفوذها العالمي لعقود.
وتؤسس هذه الخطوة لمرحلة جديدة من تسييس الأمن القومي في إدارة الهجرة والسفر. فهي لا تتعامل مع المسافرين كأفراد، بل تُخضع دولهم لتقييمات دورية تُقاس بالمخاطر. وفي المقابل، تقدم لواشنطن أداة ضغط مرنة تتيح لها التحكم في تدفقات الأشخاص والمعلومات، وتمنحها، في الوقت نفسه، ورقة نفوذ دبلوماسية مؤثرة.
يبدو أن الولايات المتحدة تدخل من خلال هذا القرار عصر "الهجرة الأمنية"، حيث الحدود ليست خطوطًا جغرافية بل أنظمة ذكاء وتحليل متقدمة، وحيث يقاس الانفتاح بدرجة الثقة الأمنية لا بالخطاب الإنساني.