ع الطاير
ختام المسابقة العربية الإفريقية للبرمجيات فى الأقصر بمثابة رسالة حية بأن المستقبل يمكن أن ينطلق من قلب التاريخ، حيث تتجاور المعابد الفرعونية مع البرمجة، وتلتقى الحضارة القديمة بعقول شابة تصنع الغد.
النسخة الحالية من المسابقة العربية الإفريقية للبرمجيات، التى نظمتها الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى بالتعاون مع عدد من مؤسسات الدولة، جسدت النموذج الحى لكيفية الاستثمار الحقيقى فى الشباب، باعتباره الثروة الأهم فى عصر التحول الرقمى، فمشاركة 12 دولة، وتنافس 170 فريقًا من الجامعات والمدارس، لم تكن مجرد أرقام، بل مؤشرًا واضحًا على اتساع رقعة الوعى بأهمية البرمجة بوصفها لغة العصر وأداة التمكين الأولى.
وجاءت كلمة الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتضع النقاط فوق الحروف حين أكد أن الذكاء الاصطناعى، رغم قدراته الهائلة، يظل أداة محدودة القيمة أو حتى بلا قيمة بدون عقل بشرى مبدع يقوده.
هذه الرسالة بالغة الأهمية فى زمن يتوهم فيه البعض أن التكنولوجيا يمكن أن تحل محل الإنسان، بينما الحقيقة أن الإنسان هو من يمنحها المعنى والاتجاه، فالفكر التحليلى والخيال الخلاق يظلان حجر الأساس لأى ابتكار حقيقى قادر على خدمة المجتمع والتنمية.
ولعل الإعلان عن قرب افتتاح مركز إبداع مصر الرقمية «كريتيفا الأقصر» يعكس توجه الدولة نحو نقل مراكز الابتكار خارج النطاق التقليدى، وربط المحافظات بمنظومة التحول الرقمى، بما يتيح فرصًا متكافئة للشباب فى الصعيد للمشاركة فى الاقتصاد المعرفي
وقدم محافظ الأقصر المهندس محمد عبدالمطلب عمارة، رؤية واقعية لدور البرمجة باعتبارها أداة لفهم العالم وإعادة تشكيله، مؤكدًا أن دعم الابتكار لم يعد ترفًا، بل ضرورة حتمية لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة، أما الدكتور إسماعيل عبدالغفار، رئيس الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى، فقد أعاد تعريف المسابقة باعتبارها مرحلة لبناء «المخزون البشري» القادر على تقليل الفجوة الرقمية ومواجهة التبعية التكنولوجية.
اللافت فى هذه النسخة هو الدمج الواعى بين التعليم الجامعى وغرس ثقافة البرمجة فى سن مبكرة، عبر إشراك طلاب المدارس، فى خطوة تعكس فهمًا عميقًا بأن الاستثمار فى المستقبل يبدأ مبكرًا، وأن بناء المبرمج لا يقل أهمية عن بناء الطبيب أو المهندس.
ما حدث فى الأقصر يتجاوز حدود مسابقة تقنية؛ إنه نموذج لشراكة ناجحة بين الحكومة والمؤسسات التعليمية، ورسالة طمأنة بأن المنطقة العربية والإفريقية تمتلك عقولًا قادرة على المنافسة إذا أُتيحت لها الفرصة والبيئة الداعمة، وبينما تتجه دول العالم إلى سباق محموم فى مجالات الذكاء الاصطناعى والبرمجيات، تبرز مثل هذه الفعاليات كخط دفاع أول لبناء اقتصاد رقمى قائم على المعرفة لا الاستهلاك.
هكذا، غادرت المسابقة أسوار الأقصر، لكنها تركت خلفها يقينًا راسخًا: أن المستقبل الرقمى يمكن أن يُكتب بأيادٍ عربية وإفريقية شابة، إذا ما آمنا بها، واستثمرنا فيها، وفتحنا أمامها أبواب الإبداع
المسابقة تقوم على قياس مستوى الكفاءات البرمجية لدى الطلاب، وتعد استثمارًا حقيقيًا فى المستقبل الرقمى للمنطقة انطلاقًا من أن البرمجة هى مفتاح الابتكار فى كل المجالات، من التعليم إلى الصناعة والخدمات الرقمية.
شهدت النسخة الحالية من المسابقة مشاركة 12 دولة، حيث تنافس 151 فريقًا جامعيًا من 80 جامعة عربية، اجتازوا الجولات الإقصائية بنجاح، إلى جانب 19 فريقًا من طلاب المدارس، فى خطوة تهدف إلى غرس ثقافة البرمجة منذ المراحل التعليمية المبكرة.
وتنوعت المسابقات بين تطوير البرمجيات وحل المشكلات الرقمية المعقدة، حيث عمل المشاركون على تحويل أفكارهم إلى برامج وخوارزميات قابلة للتطبيق، مع التركيز على الابتكار وإيجاد حلول عملية للتحديات المجتمعية، وأبرزت هذه النسخة مرة أخرى الدور الحيوى الذى تلعبه مسابقات البرمجة فى تطوير قدرات الشباب ورفع الكفاءات الرقمية فى الدول العربية والأفريقية.
المسابقة أيضًا تمثل نموذجًا ناجحًا للشراكة بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، بما يسهم فى دعم الابتكار وتعزيز الكفاءات التكنولوجية، وتهيئة الشباب لمواكبة التحولات الرقمية على المستويين الإقليمى والدولى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض