«لا ضرر ولا ضرار».. ضوابط شرعية وقانونية للمرور الآمن في الطرق العامة
تنظيم السير حفاظًا على الأرواح والأموال أكدت دار الإفتاء المصرية أن الشريعة الإسلامية أولت عناية بالغة بتنظيم السير في الطرق العامة، بما يضمن سلامة الناس، ويحفظ أرواحهم وأموالهم، ويمنع وقوع الحوادث الناتجة عن الإهمال أو المخالفات المرورية، موضحة أن القاعدة الشرعية الحاكمة في هذا الباب هي قول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار».
وأشارت إلى أن هذه القاعدة تمثل أصلًا عظيمًا في الفقه الإسلامي، ينبني عليه اشتراط السلامة وعدم الإضرار بالغير في كل تصرف يقع في الطريق العام.
الطريق العام حق مشترك بين الجميع
بيّنت دار الإفتاء أن الفقهاء قرروا أن المرور في الطريق العام مباح في الأصل، لكنه مقيد بشرط السلامة، لأن الطريق ليس ملكًا لفرد بعينه، وإنما هو حق مشترك بين الناس جميعًا، فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيه بما يلحق الضرر بالآخرين أو يعوق انتفاعهم به.
وفي هذا السياق، أوضحت أن الإنسان حين يسير في الطريق إنما يتصرف من جهة في حقه؛ لحاجته إلى قضاء مصالحه، ويتصرف من جهة أخرى في حق غيره؛ لأن غيره محتاج إلى الطريق مثل حاجته تمامًا، ولذلك كانت الإباحة مشروطة بتحقيق السلامة ودفع الضرر.
سلامة في الانتفاع بالطريق
استشهدت دار الإفتاء بأقوال عدد من كبار العلماء الذين أكدوا هذا المعنى، حيث قرروا أن الانتفاع بالطريق لا يكون مشروعًا إلا إذا سلمت عاقبته، ولم يترتب عليه أذى أو خطر، وهو ما استقر عليه الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة.
وأوضحت أن هذا الفهم الفقهي الدقيق يجمع بين رفع الحرج عن الناس من جهة، وحفظ حقوق الآخرين من جهة أخرى، وهو ما يعكس توازن الشريعة بين المصالح الفردية والجماعية.
توافق الشريعة مع قانون المرور المصري
لفتت دار الإفتاء إلى أن ما قررته الشريعة في هذا الشأن يتوافق تمامًا مع قانون المرور المصري رقم 66 لسنة 1973، الذي نص صراحة على أن استعمال الطريق العام يجب أن يكون على وجه لا يعرض الأرواح أو الأموال للخطر، ولا يؤدي إلى الإخلال بأمن الطريق أو تعطيل استعمال الغير له.
وأكدت أن هذا التوافق يعكس انسجام التشريع الوضعي مع المقاصد الشرعية التي تدعو إلى حفظ النفس والمال.
السير المخالف خطر وجريمة شرعًا وقانونًا
أوضحت دار الإفتاء أن السير المخالف في الطرق العامة، وعلى رأسه السير عكس الاتجاه، يُعد من أخطر المخالفات المرورية، لما يترتب عليه من حوادث مميتة وخسائر جسيمة، مشيرة إلى أن قانون المرور المصري جرم هذا الفعل ورتب عليه عقوبات رادعة.
وبيّنت أن هذه القوانين المرورية تُعد من المصالح المرسلة التي جاءت لتحقيق مقاصد الشريعة، وبالتالي فإن الالتزام بها واجب شرعًا، وطاعة ولي الأمر فيها واجبة باتفاق الفقهاء، ما دامت لا تأمر بمعصية.
طاعة ولي الأمر في تنظيم المرور واجبة
أكدت دار الإفتاء أن العلماء أجمعوا على وجوب طاعة ولي الأمر في أوامره التنظيمية التي تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة، ومن ذلك قوانين المرور، لما فيها من حفظ للأنفس والأموال، مشددة على أن مخالفتها لا تعد مجرد تجاوز قانوني، بل هي أيضًا مخالفة شرعية إذا ترتب عليها ضرر أو تعريض الناس للخطر.
إيذاء الناس في الطرق منهيٌّ عنه شرعًا
نبّهت دار الإفتاء إلى أن الشريعة شددت على حرمة إيذاء الناس في طرقهم، مستشهدة بما ورد عن النبي ﷺ في التحذير من أذى المسلمين في طرقاتهم، مؤكدة أن المؤمن الحق هو من يسير بين الناس بسلام، ولا يكون سببًا في خوفهم أو أذيتهم.
كما أشارت إلى أن القرآن الكريم وصف عباد الرحمن بأنهم يمشون على الأرض هونًا، أي بسكينة وتواضع، دون إيذاء أو اعتداء.
المسؤولية والضمان عند وقوع الضرر
أوضحت دار الإفتاء أن من يسير في الطريق مخالفًا لشروط السلامة يتحمل المسؤولية الكاملة عما يترتب على فعله من أضرار، سواء وقعت على الأنفس أو الأموال، ويجب عليه شرعًا ضمان ما نتج عن تصرفه إذا كان الضرر مما يمكن الاحتراز عنه، وذلك وفق ما تقره الجهات القضائية المختصة.
وبيّنت أن الفقه الإسلامي قرر أن الانتفاع بالمباحات، ومنها الطريق العام، إذا أدى إلى تلف بسبب تعدٍّ أو تقصير، فإن الضمان واجب على المتسبب.