ضحية القرط الذهبى
مراهقة تقتل طفلة داخل منزل مهجور فى سوهاج
المتهمة استغلت عودة الضحية من المدرسة واستدرجتها بحجة «اللعب»
القاتلة: فشلت فى بيع المسروقات بعد الجريمة
لم تكن شمس يوم الأحد الماضى تنذر بأن القرية ستستيقظ فى اليوم التالى على واحدة من أكثر الحوادث قسوة وألمًا على الإطلاق، كل شىء كان عاديًا فى «النصيرات»، القرية الهادئة التابعة لمركز دار السلام جنوب شرق محافظة سوهاج، قبل أن يتحول الهدوء إلى صراخ، والطمأنينة إلى خوف، والطرقات الترابية إلى مسرح لحكاية صغيرة فى العمر.. كبيرة فى الوجع.
لقد انطفأ صوت «أسماء»، الطفلة اليتيمة التى لم تتجاوز العاشرة، وهى ما تزال تحمل فى حقيبتها المدرسية بقايا أحلام طفلة، وورقة عليها خط غير متقن كتبت فيها معلمتها كلمة «تفوقتِ».
لم تكن تدرى أن طريق العودة إلى البيت الذى خرجت منه صباحًا لن يقودها هذه المرة إلى حضن عائلتها، بل إلى ظلام بيت مهجور، وسكون أبدى.
كانت «أسماء» طفلة بسيطة، خفيفة الحركة، تملأ المكان بابتسامة خجولة تخفى خلفها سنوات من الفقد، فمنذ رحيل والدها حملت معها معنى اليُتم مبكرًا، وفى ذلك الصباح، رتبت شعرها كما تفعل كل يوم، وطمأنة جدتها أن اليوم الدراسى لن يكون طويلًا، خرجت «أسماء» صاحبة الـ9 سنوات من المنزل وعلى كتفها حقيبة مدرسية أكبر من جسدها الصغير، وعلى وجهها حماسة طفلة لا تشعر بثقل الحياة بعد.
أنهت يومها الدراسى وغادرت المدرسة كعادتها، لم يكن أحد يتوقع أن تلك الخطوات الصغيرة التى اتجهت بها نحو منزلها ستنقطع فجأة، وأن أسرتها ستظل تبحث عنها حتى تختفى الشمس خلف تلال القرية. مع حلول المساء، بدأت أسرتها تشعر بالقلق، وحاولت أسرتها الاتصال ببعض أقاربهم لعلهم يجدوها هناك، سألوا الجيران، تردد أفراد عائلتها على الطريق المؤدى للمدرسة مرات عديدة، لكن «أسماء» لم تكن فى أى مكان.
ساعات قليلة تحولت فيها القرية الصغيرة إلى خلية بحث، رجال ونساء يجوبون الشوارع، يبحثون فى الزوايا، ويسألون: «حد شاف أسماء؟».
فى اليوم نفسه، تلقى اللواء الدكتور حسن عبدالعزيز، مساعد وزير الداخلية مدير أمن سوهاج، إخطارًا بالعثور على جثمان طفلة داخل منزل مهجور لا يبعد إلا خطوات قليلة عن منزل الطفلة الغائبة.
لحظات الانتقال والفحص كانت ثقيلة، فالمكان مظلم، الجدران متآكلة، والبيت خالٍ من كل شىء إلا من صدى الحزن.
هناك وُجدت «أسماء»، مسجاة فى صمت لا يليق بعشرة أعوام من الحياة، لم تظهر على جسدها إصابات واضحة، مما جعل الغموض سيد الموقف، وهناك تساؤلات عديدة: من قتل الطفلة؟ وكيف؟ ولماذا داخل هذا المنزل تحديدًا؟.
القرية كلها وقفت مذهولة، عاجزة عن استيعاب أن الفتاة الصغيرة التى عرفوها جميعًا هى الآن فى عالم آخر.
وسط زحام الأسئلة، لاحظ رجال البحث الجنائى أن القرط الذهبى الذى كانت ترتديه «أسماء» اختفى، كان ذلك الخيط الرفيع بداية تفكيك لغز كبير، فاختفاء القرط ليس تفصيلاً عادية تمر دون الوقوف أمامها، بل ربما كان الدافع الأصلى للجريمة.
بدأت التحريات تجمع خيوط اليوم الأخير فى حياة الطفلة، تم استجواب زملائها، مراجعة كاميرات المراقبة القريبة، سؤال أصحاب المحال المتاخمة لطريق عودتها، ومع تتابع الشهادات، ظهرت رواية عن فتاة من أبناء القرية شوهدت بالقرب من «أسماء» وقت خروجها من المدرسة.
كانت تلك الفتاة قاصرًا، لم تتجاوز السابعة عشرة، لم يشك أحد يومًا فى أنها قد تكون طرفًا فى مأساة كهذه، فهى مثل «أسماء»، طفلة أخرى فى عين الجميع لكن الحقيقة كانت أقسى مما توقع الجميع.
بعد ساعتين فقط من العثور على الجثمان، تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط الفتاة المشتبه بها، وبمواجهتها لم تجد مهربًا، واعترفت بتفاصيل جريمة هزت الجميع.
أخبرت رجال الأمن أنها استدرجت «أسماء» إلى المنزل المهجور بحجة اللعب، ثم سارعت إلى سرقة القرط الذهبى من أذنيها، ظنًا منها أنه سيمنحها مالًا تشترى به ما تريد، فعلت ذلك بلا وعى، بلا إدراك لحجم الجريمة، وكأنها كانت تحت تأثير لحظة طيش لا تعى معناها.
وعندما حاولت بيع القرط، اكتشفت أن أحدًا لن يشتريه دون أن يسأل عن مصدره، وهنا بدأ الخوف، خوف من الفضيحة، من أهل القرية، من العقاب.. خوف جعل الندم يتأخر كثيرًا.. بعد أن سُلبت روح «أسماء».
دلّت الفتاة رجال الأمن على مكان إخفاء القرط الذهبى، وتم العثور عليه بالفعل، لتنتهى الحكاية بتوقيع المحضر وإخطار النيابة العامة، التى باشرت التحقيق.
تركت الجريمة أثرًا عميقًا فى نفوس أهالى القرية، الذين لم يتصوروا يومًا أن طفلة يمكن أن تتحول إلى قاتلة، وأن طفلة أخرى يمكن أن تُسلب حياتها بهذه البساطة.
فى جنازة «أسماء»، امتلأت عيون الجميع بالدموع، لم تُدفن طفلة فقط، بل دُفن معها شىء من براءة القرية نفسها.
الناس تحدثوا كثيرًا عن اليُتم، وعن الوحدة التى كانت تعيشها «أسماء»، وعن لحظة الغدر التى لم تكن تدركها.. تحدثوا أيضًا عن طفلة أخرى ارتكبت خطيئة لم تدرك حجمها.. وعن مستقبل مظلم ينتظرها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض