لم يعد المشهد الإعلامى المتعلق بكرة القدم فى مصر يستحق وصف “إعلام”.
إنه خليط صاخب من الانفعال، والمغالطات، والتهويل المتعمّد، وفقرٌ فادح فى المعرفة.
ولأن كرة القدم هى الرياضة الأولى والأكثر تأثيرًا، فإن هذا الانحدار لا يُعد مجرد خلل مهني، بل إساءة مباشرة للعبة ذاتها ولجمهورها.
أولًا: برامج.. تنتج ضجيجًا لا قيمة له
فى مساحات يُفترض أن تكون منصات تحليل، تتحوّل البرامج إلى ساحات مواجهة لفظية تقطع أى صلة بالمحتوى الفني، بدلاً من طرح قضايا حقيقية، تُغرق هذه البرامج نفسها فى نقاشات سطحية لا تمت بصلة إلى الرياضة.. وتعصب احمر وابيض! وعلى سبيل المثال نجد لاعب كرة فشل كمدرب وهبط بالفريق الذى دربه الدرجة الأدنى بمعنى انه هجاص ولا يفقه كرة القدم ولكنه فصيح فى تقديم الاهانات إلى مقدم ومعد البرنامج والغريب أنهما يمجدان فيه بمناسبة او بدون! بل وصل به الامر إنه يتطاول على زملائه الضيوف وبهذا انسحب احد النجوم. وتكمن الإشكالية هنا فى أنّ البعض يتعامل مع كرة القدم كوسيلة للجدل لا كموضوع للتحليل، فلا وجود لإحصاءات، ولا قراءة تكتيكية، ولا رؤية.. بل مجرد تبادل فى الآراء الانفعالية المصاغة بعناية لاستفزاز الجمهور.
ثانيًا: فوضى إعلامية تتعمّد تضليل المشاهد
المتابع يدرك بسهولة أن جزءًا كبيرًا من المحتوى يُبنى على تسريبات غير موثوقة، أو على أحداث غير مؤكدة تُقدّم بوصفها حقائق مطلقة.
هذا العبث لا يقتصر على غياب المهنية؛ بل يمتد إلى محاولة تشكيل رأى عام عبر الإثارة الرخيصة، والمؤسف أنّ هذه الممارسات أصبحت سلوكًا روتينيًا، وكأن تضليل الجمهور أصبح جزءًا من وظيفة هذه النوعية من البرامج.
ثالثًا: التعليق الرياضى.. تحيّز فاضح وصوت يفتقر إلى القيمة
التعليق المفترض أن يكون إضافة فنية أصبح — فى كثير من المباريات — عنصرًا يفسد التجربة، فالتعليق قائم على الانحياز، والمبالغة الصوتية، والعبارات المستهلكة، يسلب المشاهد القدرة على متابعة المباراة بموضوعية.
ورغم أن موضوع ترتيب ذكر الفريقين اتحسم رسميًا منذ زمن بأن صاحب الأرض يُذكر أولًا.. لكن بعض المذيعين – سواء بسبب الانحياز أو محاولة «اللعب على مشاعر الجمهور» – بيرجعوا تلقائيًا للترتيب اللى اتعوّدوا عليه:
الأهلى والزمالك.. ثم يعيدوا نفس الجملة بالعكس بحجة الحيادية، وكأنهم بيحاولوا يوازنوا الجملة صوتيًا لا أكثر.
وبخصوص موضوع المرادفات زى القطايف واللطايف وغيرها اصبحت “موضة” عند بعض المعلقين. يحاولوا يصنعوا ستايل أو إيفيهات خاصة بهم، وهو غير مستساغ سمعيا.
إنّ التعليق تحوّل تلقائيًا إلى جزء من المشكلة بدل أن يكون جزءًا من التطوير.
رابعًا: كرة القدم أكبر من هذا المستوى المتدني
ليس مقبولًا أن تبقى رياضة بهذا الحجم أسيرة محتوى سطحى لا يضيف شيئًا للمتلقي، فبدلًا من بناء ثقافة كروية واعية، يعيد الإعلام إنتاج الفوضى والانقسام، وبدلًا من دعم التطوير، يسهم فى تكريس الجهل الفنى والتعصب.
لقد أصبحت كرة القدم ضحية لمنصات تبحث عن الشهرة السريعة لا عن المعرفة الرصينة.
خامسًا: الإصلاح ليس خيارًا.. بل ضرورة عاجلة ويتطلب إجراءات واضحة، منها:
< تطبيق معايير مهنية صارمة على البرامج والمحتوى.
< إبعاد الأصوات التى تتعمد إثارة الانقسام أو تقديم معلومات غير دقيقة.
< تطوير الأداء التعليقى عبر تدريب متخصص وعلمي.
< إدخال التحليل الإحصائى الحديث بوصفه عنصرًا أساسيًا وليس رفاهية.
< تعزيز الرقابة على المضمون الفنى لضمان احترام عقل الجمهور.
أخيراً.. إعلام كرة القدم فى مصر يقف اليوم فى موقع لا يليق بتاريخ اللعبة ولا بجمهورها، وإذا لم يحدث إعادة ضبط جذرية لهذا المشهد، ستظل كرة القدم — بكل قيمتها وشعبيتها — أسيرة خطاب متدنٍ لا يُنتج معرفة ولا يسهم فى تطوير الرياضة.. والنتيجة ما نراه من هزائم ومستوى متدنٍ.
إن اللعبة تستحق إعلامًا يحترمها،
لا إعلامًا يختزلها فى صراخ ومبالغات وغياب تام للعمق.
mndiab@hotmail. com