معنى البدعة ومفهومها الصحيح في الإسلام
تُعرف البدعة في اللغة بأنها الحدث، وما ابتُدع من الدين بعد الإكمال، قال ابن السِّكِّيت: «البِدعة كل مُحدَثة»، وأكثر ما يُستعمل لفظ المبتدع عرفًا في الذم، وقال أبو عدنان: «المبتدع هو الذي يأتي أمرًا على شبهٍ لم يكن ابتدأه إياه»، ويقال: فلان بِدْع في هذا الأمر، أي أوّل من فعله، لم يسبقه إليه أحد، وقال الله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}.
البدعة في الشرع
واختلف العلماء في تعريف البدعة في الشرع، وجاء ذلك على مسلكين:
المسلك الأول: مسلك العزِّ بن عبد السلام، حيث اعتبر أن ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بدعة، ثم قسمها إلى أحكام خمسة، فقال: «فعل ما لم يُعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة. والطريق في معرفة ذلك أن تُعرض البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة». (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)
وأكد النووي هذا المعنى، فقال: «وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا، ومنها ما يكون بخلاف ذلك».
المسلك الثاني: مسلك ابن رجب الحنبلي، والذي جعل مفهوم البدعة في الشرع أخصّ منه في اللغة، فجعل البدعة هي المذمومة فقط، ولم يُسمِّ البدع الواجبة أو المندوبة أو المباحة بدعًا كما فعل العز، وإنما اقتصر على المحرّمة.
قال رحمه الله: «المراد بالبدعة ما أُحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدل عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة». (جامع العلوم والحكم)
ولكن في النهاية اتفق المسلكين على حقيقة مفهوم البدعة، وإنما الاختلاف في المدخل للوصول إلى المفهوم المتفق عليه، وهو أن البدعة المذمومة التي يأثم فاعلها هي التي ليس لها أصل في الشريعة يدل عليها، وهي المرادة من قوله صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة». (أخرجه أحمد ومسلم)
أقوال الأئمة في تقسيم البدعة
- الإمام الشافعي رضي الله عنه: قال كما روى البيهقي: «المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سنة أو أثرًا أو إجماعًا فهذه بدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهذه محدثة غير مذمومة». (مناقب الشافعي)
- حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه: «ليس كل ما أُبدع منهيا عنه، بل المنهي عنه بدعة تضاد سنة ثابتة، وترفع أمرًا من الشرع». (إحياء علوم الدين)
- الإمام النووي رحمه الله ناقلًا عن سلطان العلماء العز بن عبد السلام: «البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومباحة ...». (تهذيب الأسماء واللغات)
كما قال في "الأذكار" عند حديثه عن المصافحة عقب الصلاة: «واعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به؛ فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال، وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها».
- وقال ابن الأثير: «البدعة بدعتان: بدعة هدى وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب إليه وحضّ عليه فهو في حيز المدح... ثم قال: والبدعة الحسنة في الحقيقة سنة، وعلى هذا التأويل يحمل حديث: "كل محدثة بدعة" على ما خالف أصول الشريعة، ولم يخالف السنة». (النهاية لابن الأثير)
- وقال ابن منظور رحمه الله: «البِدْعةُ بدْعتان: بدعةُ هُدى، و بِدعة ضَلال، فما كان فـي خلاف ما أَمر الله به ورسوله، فهو فـي حَيِزّ الذّمِّ والإِنكار، وما كان واقعًا تـحت عُموم ما ندَب الله إِلـيه وحَضّ علـيه أَو رسولُه فهو فـي حيِّز الـمدح، وما لـم يكن له مِثال موجود كنَوْع من الـجُود والسّخاء وفِعْل الـمعروف فهو من الأَفعال الـمـحمودة.
ولا يجوز أَن يكون ذلك فـي خلاف ما ورد الشرع به؛ لأَن النبـي صلى الله عليه وسلم قد جعل له فـي ذلك ثوابًا فقال: مَن سنّ سُنّة حسَنة كان له أَجرُها وأَجرُ مَن عَمِلَ بها، وقال فـي ضدّه: مَن سَنَّ سُنّة سيئة كان علـيه وِزْرها ووِزْر مَن عَمِلَ بها، وذلك إِذا كان فـي خلاف ما أَمر الله به ورسوله.
كيف تعامل العلماء مع مفهوم البدعة
وتعامل جمهور الأمة من العلماء مع البدعة على أنها أقسام، كما ظهر في كلام الإمام الشافعي، والعز بن عبد السلام، والنووي، وأبي شامة.
ومن المالكية: القرافي، والزرقاني.
ومن الحنفية: ابن عابدين.
ومن الحنابلة: ابن الجوزي.
ومن الظاهرية: ابن حزم.
أمثلة على أقسام البدعة
البدعة الواجبة: كالاشتغال بعلم النحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله، وذلك واجب؛ لأنه لا بد منه لحفظ الشريعة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
البدعة المحرمة: كمذهب القدرية، والجبرية، والمرجئة، والخوارج.
البدعة المندوبة: كإحداث المدارس، وبناء القناطر، وصلاة التراويح جماعة.
البدعة المكروهة: كزخرفة المساجد، وتزويق المصاحف.
البدعة المباحة: كالمصافحة عقب الصلوات، والتوسع في اللذيذ من المآكل والمشرب والملبس.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض