قطوف.. نقد
الشعرية الرومانسية في ديوان (التقينا في شتاء)
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

من خلال قراءتي لديوان الشاعر المصري (روماني صبحي بقطر ) والذي عنوانه "التقينا في شتاء"، وجدت أن الشاعر يوغل في الرومانسية التي تُظهر إلى حد بعيد شفافية الشاعر وابتعاده عن الديناميكية في وصف مشاعره. بمعنى أنه اتبع أسلوبا شعبويا عاما حتى يتمكن من إيصال الفكرة بكل سهولة ويسر، مبتعدا عن الانزياحات والمجازات التي تحتاج إلى فهم نخبوي ومجالها أوسع في قصيدة النثر لأنها تقيد التدافع السلس للجمل الشعرية الموزونة، وهو الأسلوب المتبع في المدرسة الرومانسية عموما التي تميل إلى توكيد الصفات الطبيعية والتلقائية والنظرة الخارجية لحركة الطبيعة والأفراد فيها دون الولوج في مقررات العقل التي تفضل التعقيد، أي بمعنى البساطة في التعبير مضاف له التخيل بحيث كان همه استهداف المتلقي البسيط الذي يتحبب لهكذا قصائد وتعابير مباشرة ومفهومة دون اللجوء إلى معاجم اللغة. كذلك وجدت أن في أغلب قصائده الإيقاع الغنائي من خلال استعماله لحروف الروي المختلفة في كل قصيدة؛ لذلك نجد أن النضج الشعري مكثف لدى الشاعر من خلال فهمه للواقع المعقد الذي تعيشه البشرية الآن، وهنا نجد الشاعر يحاول ممارسة التضاد معه من خلال التبسيط في تعابيره الشعرية في اللغة بصورة عامة، وبالتأكيد هنالك من النقاد من الذين يفضلون الأدب الغامض والفلسفي الديناميكي كما هو متعارف عليه في القصيدة النثرية الحداثوية.
نجد أن عنوان الديوان له دلالة مفتوحة في كل زمان ومكان لعدم وجود ألف لام التعريف في كلمة الشتاء، وفي العنوان أيضا دلالة على لقاء قد تحقق في شتاء ما ثم أتبعه فراق لسبب ما أدى إلى حالة من الشوق والبحث بلوعة عن لقاء آخر يستمر، وما بين اللقاء والفراق قصائد من وجد واحتراق ومشاعر وشجون.
لمحَت بعض
الحزن بعيني
ما الأسبابُ؟ وما المفقودْ؟
ولماذا جرحك لا يبرأُ؟
ودموعك
تغدو وتعودْ؟
إن حركة المشاعر لدى الشاعر "روماني" ليست معقدة كذلك الأمل نجده يأخذ مساحة واسعة في قصائده الذي يدفعه حبه للحياة الطبيعية غير المأزومة متجاوزا تلك الحدود والموانع المختلقة، حيث نجد ذلك جليا في أغلب قصائده، ونجد الشاعر مفعما بالحيوية وبالتفاؤل والخصب الحيوي الشعوري لأنه يرى في حبيبته حياة متدفقة وينبوعًا يستمد منه أسباب البقاء كحقيقة عاطفية تزرع في قلبه ونفسه بذرة الاستمرار في العيش بهدوء. إنها أمله المنشود وغايته التي يحقق من خلالها رغبة الانعتاق من الوحدة والعيش ضمن دائرة المشاعر الحقيقية غير المعقدة، وبذلك عبّر الشاعر عن حاجة أغلب الناس إلى هكذا طبيعة فطرية دون تدخل خارجي سلبي كأنه يريد العودة إلى الماضي البعيد حيث الطبيعة العاطفية والمشاعر غير الزائفة والوقتية. وجدنا أيضا أن هنالك حبيبة مفقودة في قصائده، نعم إنه واقع تحت وطأة هذا الافتقاد والأمل المنشود في لقائها حيث تدور معظم قصائده حول هذا اللقاء الذي أوقعه تحت تأثير الحزن فكان اللقاء في فصل الشتاء بعد عناء لربما كان طويلا حيث أرسى في قلبه حياة جديدة وراحة بال كان يفتقدها وتؤرقه، لكنه وفي غفلة من الزمن افتقدها وغابت عنه وظل يكابد الحنين واللوعة بالبحث عنها حتى بدا في آخر المشوار أمام حقيقة مؤكدة وهي حقيقة الفراق إذ عليه أن يسدل ستار الذكريات والأمل في لقاء جديد لأنه عانى كثيرا ووجد أن لا مناص من غلق باب الأمل في اللقاء والعيش على الذكريات وتقبل الحقيقة المرة.
أصبح
طرف الستارة
مسدلًا
من فوق جرحي
فوق دمعي
لن يعودْ
الدلالات الشعورية في عتبات الديوان:
أما العنوان وقد شرحناه، وأما الإهداءات فكان لها عمق شعوري يظهر لنا مدى تعلق الشاعر بأبويه لما رسخاه فيه من أدب وعلم وتربية حسنة أتت ثمارها فكان لهما الأثر الطيب في نفسه، وهو وفاء منه لهما، وهنا تبرز القيمة الجمالية في معرفة الذات وخصوبة المشاعر وبرها لمن أنجباه وربياه على قيم ومباديء متزنة وغير معقدة. أما غلاف الديوان ففيه صورة تعبيرية عن لقاء بين عاشقين تحوطهما أغصان لأشجار بيضاء دلالة على صدق المشاعر غير المشوبة بشائبة، كذلك السماء وزرقتها الصافية ووجودهما في كبد السماء محاطين بتلك الأغصان كلها تدل على الصفاء والنقاء في المشاعر والأمل.
خاتمة:
في أغلب قصائد الشاعر نجد صراعًا ما بين لقاء تحقق في شتاء وفقد حل محله، إنه لقاء بين عاشق ومعشوقة، ومن ثم غياب وفقد لها حيث تشكلت تلك القصائد ليعبر فيها الشاعر عن هذا الصراع واللوعة في البحث عنها لما تركته من أثر وجداني في قلبه.
واعتمد الشاعر في قصائده على أوزان شعرية بسيطة لا مجال لذكرها اتبع فيها أسلوب الإيقاعية النفسية وما يشعر به بدافع الأحداث للتعبير بطريقة شعرية سلسة يفهمها المتلقي البسيط بعيدا عن تعقيدات اللغة والكلمات التي تحتاج إلى تركيز عميق ودراية.