رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى كلّ حضارة قصصٌ يتكلّم فيها الحيوان بلسان الإنسان، كأنّ البشر ملّوا مواجهة أنفسهم مباشرة، فاختبأوا وراء ذئبٍ أو ثعلبٍ أو حمامة، يعكسون عيوبهم ومكرهم وأحلامهم فى هذا القناع الحيوانى. وأشهر شاهدين على هذه الحيلة الأدبية كتاب «كليلة ودمنة» لابن المقفّع و«خرافات لافونتين». الأول وُلد فى بغداد القرن الثامن، زمن التحوّلات الكبرى بين الأمويين والعباسيين، والثانى فى باريس القرن السابع عشر تحت رعاية ملك الشمس. ورغم المسافة، تبقى العبرة واحدة: ضفدعٌ ينفخ نفسه حتى ينفجر، وثعلبٌ يهمس فى أذن الأسد.

ابن المقفّع لم يكن راويًا ساذجًا، بل كان كاتبًا يعرف أنّ الكلام المباشر قد يودى بحياته، فاختار الحيوانات ليقول ما لا يقال. فى «كليلة ودمنة» يظهر الأسد ملكًا لا يختلف عن الخليفة، والثعلب وزيرًا محتالًا، والبقرة ضحية لمؤامرات القصر. وراء هذه المتعة السردية مرآة سياسية خفيّة، فكل حكاية تُفضى إلى أخرى، وكل شخصية رمز لما يجرى فى عالم السلطة.

أمّا لافونتين فكتب بخفة ظريفة. قصصه قصيرة، أقرب إلى النكتة الأخلاقية. الضفدع الذى أراد أن يصير فى ضخامة الثور فانفجر، أو الذئب الذى التهم الحمل بعد تلفيق الذرائع، أمثلة واضحة على الدرس المباشر: لا تكابر، فالقويّ سيلتهم الضعيف مهما كانت الحجج. هنا لا توجد شبكة معقّدة من الحكايات، بل مقطوعات صغيرة تقف مستقلة كتماثيل مصقولة.

ويرى بعض الباحثين أنّ لافونتين استلهم كثيرًا من تراث الشرق، وأنّ «كليلة ودمنة» وصلته عبر الترجمات الفارسية واللاتينية. وبذلك يغدو الضفدع الفرنسى حفيدًا بعيدًا لضفدع هندى هاجر عبر بغداد وقرطبة ليستقر فى باريس.

الفرق الجوهرى أنّ ابن المقفّع قدّم كتابًا سياسيًا فى ثوب قصصى يصلح لتربية الأمراء، بينما لافونتين ركّز على تهذيب الأفراد وتربية الذوق. عند الأول السياسة أولًا، وعند الثانى الأخلاق الفردية أسبق. لكنّ القاسم المشترك أنّ الإنسان واحد فى كل زمان ومكان، بأطماعه ونزواته.

من يقرأ اليوم قصة الثعلب فى مجلس الأسد قد يرى وزيرًا يناور فى دهاليز الحكم، ومن يتأمّل الضفدع المغرور يتذكّر مسئولًا معاصرًا ينفخ نفسه بالوعود حتى تنفجر فضائحه. والحقّ أنّ متابعة نشرات الأخبار تكفى لنعرف أنّ «كليلة ودمنة» و«خرافات لافونتين» تُكتب من جديد كل يوم: ذئبٌ ينهش حقوق الضعفاء باسم القانون، ثعلبٌ يبيع الكلام المنمّق ليقتنص منصبًا، رئيس معاصر يظنّ نفسه فى حجم دولة بأسرها ثم تنفجر فضائحه فى كل مكان.. وأمّا الحمل البرىء فهو، كما كان دومًا، المواطن العادى الذى لا ذنب له سوى أنّه وُلد ضعيفًا فى غابةٍ تحكمها أنياب الأقوياء.

تبدّلت العصور وتغيّرت اللغات، لكن الحيوان ظلّ الناطق الرسمى باسم عيوب البشر. ولو عاد ابن المقفّع وجلس إلى مائدة مع لافونتين اليوم، لابتسما وقالا معًا: ما دام الإنسان إنسانًا، ستظلّ الغابة أصدق مرآة له.