خارج السطر
لا تطول الحيرة كثيرا، ولا تتعدد الإجابات إن سأل سائل: ما غاية جماعة الإخوان المسلمين أو أى من التيارات المتأسلمة فى مصر والوطن العربي؟ فسرعان ما تنبثق كلمة «الخلافة» كمنتج متوقع، كأنها فرج الكروب، وحل الحلول، وعصا المُعجزات.
لا يُحدثك متأسلم عن دولة راشدة وحكم رشيد ومُجتمع سعيد وموحد، ولا يقدم لك أيهم اسم «الخلافة» باعتبارها خيرًا وعدلًا وحرية، لأنها لم تكن كذلك، وإنما كانت وبقيت وستبقى سُلما سهلًا للوصول إلى السلطة، وفقط.
ففى ظل الخلافة أموية وعباسية، ثُم عثمانية لم تتحقق اليوتوبيا المزعومة، وعلى مدى أربعة عشر قرنا لم يبزغ العدل والرخاء سوى أيام معدودات تلوح كفلتات استثنائية.
ولاشك أن أقرب نموذج تاريخى للخلافة عرفناه هو الخلافة العثمانية، التى اكتسحت بجيوشها العالم العربى مُحققة انتصارات عسكرية لافتة، وخضعت مصر على مدى أربعة قرون لها عدا فترات قليلة نجحت فيها التحلل من التبعية الكاملة.
لكن ما يبدو واضحا، هو أن السنوات الممتدة من 1517، تاريخ احتلال سليم الأول للقاهرة، وحتى 1798، تاريخ دخول نابليون بونابرت مصر، كانت تُمثل فترة إظلام تام، وتخلف عام، وقهر وقمع وسحق للعدل.
ولا يجد المرء صعوبة فى اثبات تدنى أحوال المصريين فى ظل الخلافة العثمانية، ذلك لأنه ليس لدينا اسم واحد لعبقرى، أو شخص فذ فى العلوم أو الفنون أو الفقه أو أى شىء، ينتمى لمصر خلال سنوات الخضوع لآل عثمان.
لقد دفعنا ثمن تأخير الدولة العثمانية إدخال المطبعة تخوفا من انفتاح عقول الناس، جهلا وترديا وانسحاقا، فصار الوصف الدائم للمحروسة من قبل الرحالة الأوروبيين طوال هذه السنوات قاصرا على بؤس البشر وقذارة الطرقات وفقر الأحوال.
ولاشك أن البحث الجاد والعميق الصادر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية، والذى أنجزته العالمة والمؤرخة الكبيرة نيللى حنا أستاذ التاريخ فى الجامعة الأمريكية، بعنوان «ما بين إمبراطوريتين.. مصر فى القرن السادس عشر»، وترجمه مجدى جرجس يمثل إضافة توثيقية للسطور السابقة.
ففيه إشارات واضحة ومتعددة لتعطيل تطور الإنسان بسلطة الخلافة العثمانية، التى كان كل همها نهب الخيرات وسلب الثروات. فوقتها تحولت مصر جبرا إلى داعم لوجيستى لاسطنبول لتزويدها بالمؤن والبارود والأقمشة والغلال والسكر. ويعرض البحث لرسالة بعث بها ياميشى حسن الصدر الأعظم لدولة الخلافة (1601-1603) يقول فيها «فى العام الماضى لم يصلنا من مصر سوى ألف قنطار من البارود وهذه كمية لا تكفى لتكحيل العيون».
ونهب العثمانيون قصور المماليك، وشحنوا مقتنياتها صوب عاصمتهم، حتى أنهم خلعوا رخام بعض القصور والجوامع فى القاهرة لتزيين جامع السلطان سليمان باسطنبول. كذلك نُقلت الكُتب والمخطوطات العظيمة من مكتبة الغورى إلى العاصمة العثمانية. وتم فرض صرة سنوية على مصر تقدر بنصف مليون قطعة ذهبية، وهو ما أثبتته وثائق عثمانية شكت فى بعض السنوات من تأخر وصولها.
كما أخضعت قوانين الشيخ أبو السعود مفتى السلطنة العثمانية الأوقاف فى مصر وباقى الولايات للسلطة المركزية، بما يسمح بفرض ضرائب باهظة، وهو ما اعتبره الفقهاء وقتها مخالفة صريحة للشريعة.
لكن كما قلنا لا علاقة بالدين بما كان. كان الأمر كله دنيويا. فثمة سلطة مارست تجبرها وهيمنتها باسم الدين، ومع الخلافة لم تتغير أحوال الناس للأفضل، وإنما تفاقم ما عانوه من ظلم.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض