الإفتاء: تعاطي المخدرات لا يُقَام عليه حدُّ الخمر.. والعقوبة تعزيرية تقدّرها الدولة
أكدت دار الإفتاء المصرية أن تعاطي المواد المخدرة كالحشيش ونحوه حرام شرعًا، لكن تعاطيها لا يُعاقب عليه بحدٍّ شرعي كالخمر، بل يُعاقب عليه بعقوبة تعزيرية تحددها الدولة حسب ما تراه مناسبًا للردع والزجر.
وأوضحت دار الإفتاء أن تحريم المخدرات ليس لأنها نجسة بذاتها، بل لما لها من أثر ضار على العقل والجسم.
المخدرات في ميزان الشريعة:
أشارت دار الإفتاء إلى أن تحريم المواد المخدرة كالحشيش مستند إلى حديث النبي ﷺ: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر»، (رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن أم سلمة رضي الله عنها)، وهو نص شامل لكل مادة تُسكر العقل أو تُخدّره وتؤدي إلى ضرر بالغ في البدن أو الفهم.
وأضافت الفتوى أن جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم أجمعوا على تحريم تعاطي الحشيش وغيره من المخدرات لضررها المؤكد، لكنهم اختلفوا في كيفية معاقبة من يتعاطاها:
فالرأي المعتمد عند جمهور العلماء أن تعاطي المخدرات يعاقب عليه بالتعزير وليس بالحد، لأن حد الخمر لا يُقام إلا على من شرب مادة مسكرة تُطلق عليها اسم "الخمر" عرفًا.
بينما رأى ابن تيمية وابن القيم - من فقهاء الحنابلة - أن المخدرات أشد خطرًا من الخمر، ومن ثم يجب إقامة حدّ الخمر على من يتعاطاها، كما ذهب بعض علماء الحنفية والشيعة الإمامية إلى أن من يتعاطى المخدرات يُجلد حدًّا باعتبار أنها "مسكرات" معنًى لا اسمًا.
ورغم هذا الخلاف، رجَّحت دار الإفتاء القول بأن العقوبة تعزيرية، أي أن الحاكم أو القاضي أو المشرّع يختار العقوبة المناسبة التي تردع الجناة، مثل الجلد، الحبس، الغرامة، أو غيرها، دون تقيد بعدد معين من الجلدات كما في حدود الشريعة.
إثبات الجريمة: الشهادة والقرائن:
و حول إثبات جريمة تعاطي المخدرات، أكدت الفتوى أن جرائم التعازير - ومنها التعاطي - لا تثبت بالشائعات أو الشهرة، بل لا بد من شهادة شرعية أو أدلة قطعية.
ويُشترط لنصاب الشهادة في هذا النوع من القضايا ما يُشترط في إثبات الحقوق، أي:
شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، أو أدلة قوية قاطعة مثل: الاعتراف، المعاينة المباشرة، أو وجود آثار مادية مؤكدة.
كما يجب أن تتوافر في الشاهد شروط العدالة، والبلوغ، والعقل، والقدرة على التمييز، وعدم وجود مصلحة شخصية أو عداوة ظاهرة مع المتهم، وهي شروط عامة في جميع أنواع الشهادات الجنائية.
العقوبة بيد الدولة:
أوضحت دار الإفتاء في نهاية الفتوى أن السلطة التشريعية في الدولة هي المختصة بتحديد العقوبات المناسبة لتعاطي أو حيازة المخدرات، ما دامت تدخل في باب التعازير، وأن الأصل في التعزير هو الزجر والإصلاح، دون التقيد بنص قرآني أو حديث نبوي بعدد معين من الجلدات أو سنوات الحبس.
كما نبهت إلى أن التشريعات الوضعية - ومنها قانون مكافحة المخدرات المصري - تتفق مع الشريعة في هذا الباب، لأن العقوبة ليست حدًّا شرعيًّا بل تعزير يُفَوَّض للحاكم، ما دام يحقق المقصود الشرعي وهو حماية النفس والعقل والمجتمع.