رؤية
عندما صدر قرار تعيين محمد عبداللطيف وزيرًا للتربية والتعليم فى التعديل الوزارى الأخير منتصف 2024، قوبل بشكوك ومخاوف من المهتمين بالشأن التعليمى فى مصر. لم يكن الرجل شخصية معروفة على نطاق شعبى واسع، كما لاحقته منذ اللحظة الأولى اتهامات تتعلق بمصداقية مؤهلاته العلمية، خاصة درجة الدكتوراه التى زعم البعض أنه حصل عليها من جامعة غير معترف بها أكاديميًا. ورغم نفى الوزير لهذه المزاعم وتأكيده أن دراسته تمت عبر نظام التعليم عن بُعد، فإن الجدل ظل حاضرًا بين وقت وآخر.
وعلى عكس ما توقعه كثيرون، لم يدخل الوزير الجديد فى مواجهات دفاعية أو حملات إعلامية لنفى الاتهامات، بل انشغل منذ اليوم الأول بملفات العمل داخل الوزارة، واتخذ سلسلة خطوات عملية مدروسة، ما جعله مع مرور الوقت يبدد هذه الشكوك، ويكسب دعمًا تدريجيًا من دوائر كانت ضده فى البداية.كان واضحًا أن «عبداللطيف» يدرك حجم التِّرْكة الثقيلة التى ورثها، لكنه اختار المضى فى الإصلاح بشكل هادئ ومتوازن، متجنبًا القرارات الصادمة، ومعتمدًا على تشخيص دقيق للأزمات المتراكمة فى النظام التعليمى المصرى.
أبرز ما قام به الوزير فى شهوره الأولى، كان التحرك الجاد نحو إصلاح نظام الثانوية العامة، الذى شكل هاجسًا سنويًا مرعبًا للأسر المصرية على مدار عقود. أدخل الوزير تعديلات على أسلوب الامتحانات لتخفيف حدة الرعب المرتبط بهذه المرحلة، مع التوسع فى الاعتماد على تقييمات تراكمية، وتخفيف الضغط النفسى على الطلاب، كما أعاد هيكلة منظومة التصحيح، وتفعيل النظام الرقمى فى رصد الدرجات بما يضمن المزيد من الشفافية والدقة.
إضافة إلى ذلك، أعطى «عبداللطيف» اهتمامًا ملحوظًا للتعليم الفنى، حيث قام بتوقيع بروتوكولات تعاون مع عدد من الكيانات الصناعية الكبرى لتوفير تدريب عملى حقيقى لطلاب المدارس الفنية، وتم إطلاق دفعات جديدة من مدارس التكنولوجيا التطبيقية التى تربط بين الدراسة وفرص العمل، ما أسهم فى تحسين صورة التعليم الفنى أمام الرأى العام.
ولم يتجاهل الوزير الدور المحورى للمعلم، فعمل على إطلاق برامج تدريب نوعية تركز على بناء قدرات المعلمين، إلى جانب بدء خطوات لهيكلة ملف الترقيات والأجور، خصوصًا فى المناطق الريفية والنائية. ورغم أن ملف الأجور لا يزال مثار جدل، فإن التحركات الجزئية التى بدأها الوزير، مثل زيادة الحوافز المرتبطة بالحصص الإضافية، أعطت انطباعًا إيجابيًا بأن هناك توجهًا لإعادة الاعتبار للكوادر البشرية داخل المنظومة التعليمية.
أما على صعيد التحول الرقمى، فقد حرص الوزير على توسيع نطاق استخدام المنصات التعليمية الحكومية، وتم تحسين المحتوى الرقمى بالتعاون مع مؤسسات دولية، كما بدأت الوزارة بتوفير أجهزة تابلت لطلاب المدارس الحكومية فى المناطق الأكثر احتياجًا بهدف تقليص الفجوة الرقمية. ولم تغب عن الوزير قضايا العدالة التعليمية، حيث واصل دعم برامج التعليم المجتمعى للفتيات غير الملتحقات بالتعليم النظامى، وسعى إلى إدماج الطلاب من ذوى الاحتياجات الخاصة ضمن المدارس العامة.
ورغم أن المدة التى قضاها «عبداللطيف» فى منصبه حتى الآن ليست كافية لتقييم شامل، فإن ما تحقق على الأرض يمثل مؤشرًا على أسلوب عمل يتسم بالهدوء والتركيز والانضباط. لقد نجح الوزير، ولو جزئيًا، فى كسب قدر من الثقة كان مفقودًا لحظة تعيينه، وهو ما يضع على كاهله تحديات مضاعفة فى الشهور المقبلة. وإننى أرجو أن يتمكن الوزير من تحويل هذه الثقة الوليدة إلى نتائج ملموسة يشعر بها الطالب والمعلم وولى الأمر فى وقت واحد، خصوصًا أن منظومة التعليم تحولت منذ سنوات طويلة إلى «عملية تعذيب» بسبب السياسات المتخبطة للحكومات المتعاقبة.