اللجنة الأولمبية "عش دبابير" ووزارة الرياضة في غيبوبة دائمة
ينهش الفساد جسد الرياضة المصرية بينما تغيب الرقابة، وتتغلغل المصالح في مؤسسات كان يفترض أن تحمي النزاهة وتكرس الشفافية ، في بلد يئن فيه آلاف من خريجي كليات التربية الرياضية تحت وطأة البطالة، ويقصى فيه أصحاب الكفاءة من كل منصب، تُدار الرياضة المصرية من داخل "عش دبابير" مغلق يعرف باللجنة الأولمبية المصرية، التي تحولت من جهة إشرافية إلى كيان يحتكر النفوذ، ويوزع المناصب على المقربين، ويقنن الفساد الإداري والمالي، ويمنح نفسه حصانة مطلقة بحكم الواقع.
باتت اللجنة الأولمبية المصرية، والتي ينص قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017 بوضوح على أنها هيئة رياضية عليا تشرف على الاتحادات الرياضية الأولمبية، ملاذًا لتضارب المصالح وتبادل الكراسي. المشهد الأكثر خطورة لا يتمثل فقط في فشل اللجنة في أداء دورها، بل في أن بعض أعضائها ورؤسائها هم أنفسهم من يديرون الاتحادات التي يفترض أن اللجنة تشرف عليها. بمعنى أدق، أصبح من الطبيعي أن يكتب المسؤول القانون، ويُشرعه، ثم يطبقه على نفسه، ويراقب ذاته، ويُحاسب نفسه، دون أدنى حرج.
وجاء نص القانون بأن
اللجنة الأولمبية هيئة إشرافية لا تنفيذية
وفقًا لنص المادة الثانية من قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017:
"اللجنة الأولمبية المصرية هيئة رياضية تتمتع بالشخصية الاعتبارية الخاصة، وتكون لها استقلالها الفني والإداري والمالي، وتتولى تنظيم وإدارة شئون الرياضة الأولمبية في جمهورية مصر العربية، وهي وحدها التي تمثل الدولة في الهيئات الرياضية الأولمبية الدولية، وتتولى الإشراف على جميع أوجه النشاط الأولمبي في الدولة بالتنسيق مع كافة الجهات المعنية".
جاءت الكلمات واضحة وضوح الشمس، فاللجنة تمثل الدولة في المحافل الدولية، وتشرف داخليًا على النشاط الأولمبي. لكن الواقع العملي يضرب بهذا النص عرض الحائط، فالرئيس هو نفسه المرؤوس، والمشرف هو المنفذ، والرقابة ماتت في مهدها.
بالأسماء والمناصب قادة اللجنة الأولمبية يتحكمون في الاتحادات التي يفترض أنهم يراقبونها

يتأكد من خلال هذا التشكيل الأخير لمجلس إدارة اللجنة الأولمبية المصرية حتى أولمبياد "لوس أنجلوس 2028"، أن ظاهرة تضارب المصالح لم تعد مجرد استثناء، بل أصبحت نهجًا معلنا برعاية رسمية وصمت متواطئ من وزارة الشباب والرياضة، فعدد من أعضاء المجلس الجديد يحتفظون في ذات الوقت بمناصب تنفيذية داخل اتحادات رياضية من المفترض أن تخضع لإشراف اللجنة، ما يحول المنظومة إلى دائرة مغلقة من تبادل المنافع وتصفية الحسابات الشخصية على حساب الشفافية والنزاهة.

وفي طليعة هذا العبث يأتي أسم المهندس ياسر إدريس رئيس اللجنة الأولمبية الذي لا يزال يشغل منصب رئيس الاتحاد المصري للسباحة، وهو الموقع الذي من المفترض أن تخضع فيه قرارات الاتحاد لتقييم ومتابعة من اللجنة الأولمبية التي يترأسها هو نفسه، ومع ذلك لم تحرك وزارة الشباب والرياضة ساكنا، رغم علمها الكامل بهذا التضارب الذي ينتهك أبسط قواعد الحوكمة. فكيف نصدق أنه يشرف على اتحاد هو نفسه من يديره، كيف يراقب ميزانية وتعيينات وبعثات وتصفيات هو نفسه من يصدرها ويوقع عليها.

ينطبق ذلك الأمر على المستشار محمد مصطفى، النائب الأول لرئيس اللجنة، الذي يرأس أيضًا الاتحاد المصري للتايكوندو.

واللواء حازم حسني، السكرتير العام للجنة، والذي يترأس الاتحاد المصري للرماية، ويشغل كذلك مواقع دولية في الاتحادات القارية والدولية للرماية، ما يمنحه نفوذًا مركبًا داخل المنظومة.
تكرر ذات السيناريو مع هشام حطب، الذي تولى رئاسة اللجنة حتى مايو 2024، وكان طوال تلك السنوات هو رئيس الاتحاد المصري للفروسية. جمع بين المنصبين بلا خجل، بل ومارس صلاحيات تنفيذية ورقابية في آنٍ واحد.
ويليهم شريف العريان، الاسم الأخطر داخل اللجنة، حيث شغل منصب السكرتير العام وعضو اللجنة، ورئيس اتحاد الخماسي الحديث، ويتحكم فعليًا في دواليب العلاقات الدولية، ويُعد واحدًا من أبرز مهندسي تربيطات المناصب والبعثات الخارجية، ومن المساهمين في استمرار هذا الوضع المختل.
ثم نجد عبد العزيز غنيم، الذي جمع بين منصبين من قبل حيث كان عضو اللجنة الأولمبية، وهو فى ذلك الوقت الذي يتربع كذلك على رأس اتحاد الملاكمة، ويتولى ملفات السفر والموازنات، وسط اتهامات بتكرار صرف ميزانيات ضخمة دون تحقيق نتائج تذكر.
أما إيهاب أمين، فيشغل منصب عضو اللجنة، وفي الوقت ذاته رئيس اتحاد الجمباز، رغم افتقاده لأي تأهيل أكاديمي في مجال التربية الرياضية. وجوده جاء نتيجة علاقات ونفوذ لا علاقة لها بالكفاءة.
و محمد عبد المطلب، كان عضو اللجنة ونائب رئيس اتحاد كرة السلة، ويمثل نموذجًا آخر لظاهرة "كوتة الرياضيين الكبار"، ممن يتنقلون بين المناصب في صمت، ويتم تدويرهم كأنهم شركاء دائمون في الميراث الرياضي.
هؤلاء جميعًا لا يجمعهم فقط تضارب المصالح، بل يجمعهم أيضًا افتقارهم لأدنى مؤهل تربوي أو فني في الرياضة. فمنهم المهندس والطبيب والضابط السابق، ورجال الأعمال، بينما خريجو التربية الرياضية يطاردهم العجز والفقر، يقصون من التعيينات، ويستبعدون من المناصب، رغم كونهم المؤهلين الحقيقيين لإدارة شؤون الرياضة.
رغم أن قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017 حمّل وزارة الشباب والرياضة مسؤولية المتابعة والإشراف المالي والإداري على الهيئات الرياضية، وأعطاها الحق في التدخل عند وجود مخالفات جسيمة أو تضارب مصالح، إلا أن الوزارة اكتفت بدور المشاهد، بل وباتت أقرب إلى الشريك في التواطؤ، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الوزارة أصبحت جزءًا من شبكة المصالح ذاتها التي يُفترض أن تراقبها.
وهكذا، تغض الوزارة الطرف عن هذا التداخل السافر في السلطات، متجاهلة مسؤولياتها القانونية، وهو ما يشجع على التمادي في تدوير المناصب، وتكريس منظومة مغلقة من أهل الثقة، لا من أهل الكفاءة.
ويعتبر كل ما يحدث داخل اللجنة والاتحادات لم يعد سرًا، وكل من يعمل في الوسط الرياضي يعرف أن التعيينات تتم عبر "التربيطات" وليس عبر الكفاءة، وأن المناصب توزع كمغانم انتخابية، وأن من ينتقد يُقصى، ومن يُجامل يُكافأ.
تُصرف الملايين على سفرات وبعثات لا تحقق شيئًا، وتمنح المكافآت بالمجاملة، وتصمم اللوائح خصيصًا لتثبيت أشخاص بعينهم. ويتم تمكين من لا يعرف قواعد اللعبة، لمجرد أنه "من الناس بتوعهم". وفي الخلفية، يقف خريج التربية الرياضية على الرصيف، يراقب بمرارة، ويتساءل لماذا تم إقصائي من المشهد؟ ما ذنبي إن لم أكن ضابطًا سابقًا أو من أبناء الكبار؟
وزارة الشباب ترعى الفساد بالصمت

تقف وزارة الشباب والرياضة، برئاسة الدكتور أشرف صبحي، موقف العاجز أو المتواطئ أمام فوضى تضارب المصالح والفساد داخل اللجنة الأولمبية المصرية والاتحادات الرياضية، والوزير على دراية تامة بكافة التفاصيل، وقد تلقى مئات الشكاوى والبلاغات التي توضح بالأسماء والوثائق حجم الانهيار الإداري والمالي، ورغم ذلك لم تتخذ أي خطوات حقيقية لمواجهة هذا الوضع. لا لجان تقصي حقائق، ولا قرارات بإيقاف المخالفين أو إحالتهم للتحقيق، ولا حتى مراجعة للملفات أو فتح للجان الانضباط، بل اكتفت الوزارة بإصدار بيانات إعلامية مكررة لا تخرج عن كونها محاولات لامتصاص الغضب، دون أي أثر ملموس على أرض الواقع.
نص قانون الرياضة المصري رقم 71 لسنة 2017، في مادته الثالثة، أكد بوضوح أن وزارة الشباب والرياضة هي الجهة الإدارية المركزية المختصة بشؤون النشء والشباب والرياضة، وأن من بين اختصاصاتها وضع السياسات العامة والإشراف على تنفيذها ومتابعة الالتزام بها. كما نصت المادة (19) على أن اللجنة الأولمبية المصرية تخضع في أدائها العام لرقابة الوزارة، وأنها مسؤولة عن الإشراف على إعداد المنتخبات الوطنية وتنظيم المشاركة في البطولات القارية والدولية، ومتابعة أداء الاتحادات الرياضية. هذه النصوص القانونية تُحمّل الوزارة مسؤولية مباشرة عن مراقبة الأداء، وضمان الشفافية، والتصدي لتجاوزات واضحة، إلا أن ما يحدث على الأرض يعكس غيابًا كاملًا لدور الوزارة، وتفريطًا في مسؤولياتها الرقابية والتنفيذية، بما يفتح الباب أمام استمرار الفوضى، وتكريس مراكز القوى، وتجاهل الكفاءات الحقيقة من أبناء المجال الرياضي المتخصص.
لن تنهض ولن تنجو الرياضة المصرية إلا إذا تم كنس هذا العش بالكامل، فلا بد من حل اللجنة الأولمبية بصيغتها الحالية، ومنع الجمع بين أي منصبين إداريين أو رقابيين، وتفعيل دور الرقابة الإدارية والنيابة الإدارية في فتح ملفات الفساد الإداري والمالي، ومراجعة كل قرارات التعيين والانتداب والموازنات خلال آخر عشر سنوات.
إقرأ المزيد..
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض