امرأة بخلفية عسكرية| رحلة استثنائية ملهمة لعميدة إعلام القاهرة (حوار)
امرأة من الطراز الرفيع، ذات شخصية قوية، متسعة الأفق، متحررة الفكر، تحكمها القيم والمبادئ الإنسانية التي تربت عليها منذ الصغر، لتثبت أن المرأة قادرة على خوض المسئولية بجدارة.
مزجت بين صرامة الشخصية العسكرية وروح الإعلام المتحررة وقلب الأم الحنون، لتتمكن من قيادة أول كلية للإعلام في الشرق الأوسط بكل حسم وحب وإبداع، إنها الدكتورة ثريا البدوي، العميد السابع عشر لكلية الإعلام جامعة القاهرة والسادسة بين العميدات النساء.
استطاعت الدكتورة ثريا البدوي أن تصبح نموذجًا رائدًا للمرأة المصرية التي طالما دعمها الرئيس عبد الفتاح السيسي ودعا لمنحها حقها في القيادة بإطلاق الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، فتمكنت من إدارة كلية الإعلام بتطبيق العدالة والمساواة بين الجميع وإتباع سياسة الباب المفتوح.
أجرت بوابة الوفد الإلكترونية حوارًا مع الدكتورة ثريا البدوي، عميدة كلية الإعلام جامعة القاهرة، لتروي تفاصيل رحلتها من التنشئة العسكرية حتى تقلدت العمادة، وتكشف أبرز التحديات التي واجهتها وأهم إنجازاتها في الكلية الأم.
بداية، حدثينا عن نشأتك العسكرية وكيف ساهمت في تكوين شخصيتك؟
لقد تربيت داخل أسرة عسكرية، والداي كانا قيادات عسكرية، فأنا ابنة ربان أعالى البحار، وجدّ مثقف وراقي، وابنة عميدة جامعية بالقوات المسلحة، وتلقيت تعليمي في مدرسة فرنسية حتى حصلت على الثانوية العامة منها.
وبالفعل تنشئتي داخل أسرة عسكرية كانت لها أثرًا كبيرًا في تكوين شخصيتي، إذ تعلمت منذ صغري المبادئ الإنسانية، والقيم المنبثقة من الدين، تربيت على احترام المواعيد والالتزام بالوعود، ومعرفة قيمة الكلمة وتحمل المسئولية، والتعاون، وحب الخير للغير، بالإضافة إلى تعلم الالتزام والصرامة الممتزجة بالحنان.
أتّبع سياسة الباب المفتوح في عمادة الإعلام

هل تكوين شخصيتك أثّر في قيادتك لكلية الإعلام؟
لقد احتفظت بالأصول والقيم التي تربيت عليها، وأطبّقها خلال فترة عمادتي الكلية، فأنا أحب الخير للجميع كما أحبه لنفسي، فلا أنحاز لفئة دون الأخرى، أو أسمح بما يعرف بـ "الشللية"، فمثلا عندما تصرف مكافأة تكون للجميع دون استثناء، وهذا يخلق توازن في الكلية؛ لأن الجميع يشعر بالعدالة والإنصاف، والحصول على الحقوق.
ومنذ تولي عمادة كلية الإعلام، أتبع سياسة الباب المفتوح مع الجميع، وأراها مفيدة من جميع الزوايا باعتباري متخصصة في العلاقات العامة؛ لأنها تحقق عدة مزايا، منها: عدم تعطيل المصالح، والإسراع في تنفيذ المهام، ومتابعة ما يحدث بالخارج، وعدم السماح بالأحاديث غير المفيدة.
لماذا اخترتِ الالتحاق بكلية الإعلام؟
لم أكن أريد الالتحاق بكلية الإعلام لكنها كانت رغبة أبي، فقد كنت أريد دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية، وانصعب لرغبة أبي ودخلت الإعلام.
وماذا عن رحلتك الدراسية في كلية الإعلام؟
كنت أرغب في الالتحاق بقسم الإذاعة والتلفزيون إلا أنني لم أوفّق في الاختبارات، فاخترت تخصص العلاقات العامة، وعندما تخرجت في الكلية عام 1987، التحقت بكلية الشرطة لكن قبل التخرج تعيّنت معيدة في كلية الإعلام، وحصلت على الماجستير في الكلية ذاتها، ثم حصلت على الدكتوراة من كندا.
التربية العسكرية تتيح الحرية المسئولة

كيف تمكنتِ من المواءمة بين القواعد العسكرية الصارمة وحرية الإعلام؟
التربية العسكرية تربية ملتزمة ومنضبطة لكنها ليست منغلقة أو قمعية، هي فقط تتطلب الالتزام بالأوامر دون نقاش، فأنا لا أنسى أبدًا أمر "ثابت" كنا نلتزم فورًا حتى إن كنا نأكل أو نشرب، فالتربية العسكرية شديدة لكن مبدأ الحرية متاح في إطار الدور المسئول، وهناك بعض الفئات عليهم دور وطني مسئول ويجب عليهم التفكير في كل كلمة تقال حتى لا تضر بالأمن القومي؛ لذلك ليس أي شخص يمكن أن يظهر في الإعلام سواء إعلامي أو ضيف فلا بد أن يكون مسئول ويعرف قيمة الكلمة.
ما التحديات التي واجهتكِ خلال تولي العمادة؟
لدي إرادة كبيرة للتغيير لكن هناك مقاومة شديدة مرتبطة بالأفكار الثابتة، وفكرة كسر التابوه ليست سهلة أبدًا، بالإضافة إلى رغبة البعض في الاستمرار في المنصب المخوّل لهم، في حين أنني أفضّل تطوير مهاراتهم وتنمية السيرة الذاتية الخاصة بهم من خلال تدوير المناصب، فأنا أفعل ذلك بدافع مصلحتهم لكنهم يشعروني أنني أتعنت معهم وهذا غير صحيح.
اقتراح مشروع وطني للقضاء على فراغ المجتمع

كيف ترين الوضع الإعلامي الراهن في مصر؟
للأسف المجتمع أصبح يعاني من تحول قيمي كبير وهو الأمر الذي انعكس على صناع الاتصال في المؤسسات الإعلامية، فهناك نوع من التصيّد وتشويه الصورة، وهذا بسبب الشعور بالفراغ؛ لذا أقترح إطلاق مشروع وطني للقضاء على الفراغ الذي يعاني منه الشعب وإقحامه في العمل الوطني حتى يشعر بالمسئولية تجاه وطنه، مثل: مشروعات خدمية أو مشروعات تعزيز الهوية الوطنية للدولة، والمشاركة في مبادرة بناء الإنسان الذي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ما دور كلية الإعلام في تحسين الوضع الراهن أو علاج الإشكاليات المستجدة؟
دور كلية الإعلام يكمن في التوعية، فنعمل على تحديث المقررات الدراسية التي تتواكب مع المستجدات، وننظم الندوات، وننشر الكتيبات والنشرات بشكل دوري، لكن يصعب السيطرة على السلوكيات المجتمعية، فمثلا قضية "هوس التريند" أرى أن وسائل الإعلام تسببت فيها لأنها تركز على ما يحدث في السوشيال ميديا بشكل كبير من منظور مدخل الاقتصاد السياسي _أي بالفكر الاقتصادي_ حتى تحقق نسب مشاهدات عالية ما يدرّ عليها إعلانات وبالتالي تتضمن الاستمرارية.
وكيف يمكن تحقيق المسئولية الإعلامية؟
أرى الحل في حوكمة المؤسسات في الداخل من خلال الهيئة الوطنية للصحافة والمجلس الأعلى للإعلام، وبالفعل هناك مساءلة وشفافية وهي المعايير الأساسية للحوكمة من خلال علاج التشوهات بطريقة ذاتية وعرض الآراء، أما الحوكمة الاجتماعية فتحتاج ضبط وهي المسئولية المجتمعية، وكيف يمكن تنحية المصالح الخاصة ومصالح القطاع الخاص من أجل مصلحة الوطن، ويجب على الإعلامي ألا يعرض رأيه بل يعرض جميع الآراء، ويترك الحرية للمشاهد.
إدخال الذكاء الاصطناعي في الإرشاد الطلابي

ما الجديد في كلية الإعلام بعد توليك العمادة؟
أكثر ما سعيت لتحقيقه هو نظام التحول الرقمي من خلال تحول المعاملات الإدارية إلى نظام إلكتروني رقمي لدعم النزاهة والشفافية وتوصيل المعلومات في نفس اللحظة، وبالفعل تمكنا من ذلك في جميع المعاملات الإدارية وظهور النتائج.
وعملت على تحقيق الشفافية الشديدة داخل الكلية ليعرف الجميع ماذا يدور في الكلية وإمكانية الإطلاع على محاضر المجالس وإعلان القرارات لجميع أعضاء هيئة التدريس، والموظفين، واتخاذ القرارات من خلال عمل استطلاعات الرأي، ووضع معايير واضحة ومحددة لاختيار أعضاء اللجان المختلفة.
ونعمل على إدخال الذكاء الاصطناعي في الإرشاد الطلابي الذكي داخل الكلية وما زالت الفكرة قيد التنفيذ.
كيف يتم إدراج الذكاء الاصطناعي في الإرشاد الطلابي الذكي؟ هل في شكل تطبيق؟
لا، بل من خلال ماكينات آلية توضع داخل الكلية وترشد الطلاب وتساعدهم في اختيار المقررات الدراسية المختلفة، أما العنصر البشري فيكون مسئول عن توفير المعلومات لتلك الآلة بالإضافة إلى مساعدة الطلاب في أي وقت.
هل تم إدراج التحول الرقمي في الامتحانات؟
نظام التحول الرقمي المطبّق في الكلية هو نظام معاملات إدارية لمجالس الأقسام والكلية، ونسعى لإدخاله في الامتحانات لكن هناك مقومات بسبب الخوف من التغيير والرغبة في الاستمرار بنفس النظام.
هل تعتمد الكلية على تطبيق النظام الهجين في التدريس؟
أحيانًا نطبّق النظام الهجين الذي يجمع بين المحاضرات بالنظام الحضوري والأون لاين، لكنه ليس الأساس، فمثلا يطبّق في شهر رمضان بسبب ظروف هذا الشهر، لكنه لا يزال غير معترف به في الكلية بالإضافة إلى تعليمات المجلس الأعلى للجامعات التي نلتزم بها، وهذا النظام وُلد من رحم جائحة كورونا ثم صدرت قرارات جديدة من المجلس الأعلى للجامعات تمنع ذلك.
أما في الدورات التدريبية لأعضاء هيئة التدريس، فقد اشتركنا في نظام “زوم” لتسهيل جمع أكبر عدد منهم في نفس التوقيت.
كم يبلغ عدد طلاب كلية الإعلام في الوقت الحالي؟ وهل الكلية تستوعب الأعداد؟
لدينا أربعة آلاف طالب وطالبة في مرحلة البكالوريوس، ونعمل على استئجار قاعات من الجامعة لصغر مساحة الكلية، أما البرنامج الإنجليزية فيدرس في فرع الجامعة الدولي.
هل توجد برامج دراسية جديدة بالكلية؟
نعم، لقد أطلقنا برنامج الإعلام الرقمي من رحم قسم الصحافة، ويختص بالمنصات والبوابات الإلكترونية، كما أن لدينا لائحة جديدة في الكلية يتخرج فيها الطلاب هذا العام، بالإضافة إلى إدراج تخصصات في البرنامج الإنجليزي بعد أن كان برنامجًا عامًا.
وبالنسبة للدراسات العليا، نقدم العديد من الدبلومات التي تخدم السوق لتكون حلقة وصل بين الكلية واحتياجات سوق العمل والممارسين في الخارج، مثل: التشريعات، والتسويق الإلكتروني، والاتصال السياسي، والأمن السيبراني، وهناك لائحة جديدة للتسجيل في الماجستير والدكتوراة بالساعات المعتمدة من خلال دراسة سنتين ثم التسجيل للرسالة.
هل تهتم الكلية بتدريس الذكاء الاصطناعي؟
بالطبع، فالدكتور محمد سامي عبد الصادق رئيس جامعة القاهرة، يهتم كثيرًا بالذكاء الاصطناعي، ووجه بتدريس مقرر عنه، وأقرّ دورة تدريبية له ضمن شروط الترقي لأعضاء هيئة التدريس، تُقدم في مركز تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس.
وندرّس مقررًا عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصف الأول ويتضمن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لكن الأهم هو التنشئة الاجتماعية السوية للإنسان وتربيته على القيم، لأن الكلية دورها التوعية وليس التربية.

في كل عام قبل التنسيق تظهر تحذيرات من الالتحاق بكليات الإعلام بحجة عدم توفر وظائف. ما رأيك في ذلك؟
التحذيرات من الالتحاق بكليات الإعلام بسبب عدم توفر فرص عمل يأتي من المتكاسلين عن تطوير مهاراتهم، فهم ليسو مبادرين وإنما ينتظرون فرص العمل تأتي إليهم، ونحن دائمًا نحث الطلاب على تطوير إمكانياتهم وقدراتهم ولغتهم والتعامل مع الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي ونقدم دورات تدريبية بها، لكن البعض يتكاسل ويتوقف عند ما تقدمه له الكلية؛ لأن الكلية مهما قدمت لن تقدم كل شيء، فهي تقدم ما يؤسس الطالب ويجعل عنده خلفية معرفية جيدة وأداء تدريبي متوسط، وبعد ذلك لا بد من العمل على تطوير الذات.
هل سوق العمل يستوعب جميع خريجي الإعلام؟
نعم يستوعب وفرص العمل في مجالات الكلية متوفر، فمثلا تخصص العلاقات العامة مطلوب في كل الشركات والمصانع والبنوك والمستشفيات، لكن المشكلة تكمن في رغبة الخريجين في العمل كمقدم برامج مثلًا دون مهارات حقيقية.
ما دور الكلية في توفير فرص تدريب للطلاب؟
كلية الإعلام توفر تدريبات بشكل دائم في المؤسسات الإعلامية والشركات، وفي حالة إثبات الطالب الكفاءة يُعين بها.
كيف استطعتِ التوفيق بين العمل الأكاديمي والقيادي والأسرة؟
لم أستطع التوفيق، ودائمًا أشعر بالتقصير تجاه أسرتي، لكن أبنائي الآن قد كبروا وشقوا طرقهم.