حكم نقل الميت من مقابر لأخرى عند التجديد
الميت.. قالت دار الإفتاء المصرية لا يجوز نقل الميت مِنْ مكانه إلا لضرورةٍ مُلِحَّةٍ وبالقدر الذي تندفع به الضرورة دون زيادة؛ كحالة الخوف مِنْ انهدام المقبرة، أو الخوف مِنْ غرق الجثث، ولكن في حال امتِلاء القبور يجب الدفن في قبور أخرى؛ لأنَّه لا يجوز الجمع بين أكثر مِنْ ميتٍ في القبر الواحد إلَّا للضرورة، ويجب الفصل بين الأموات بحاجِزٍ حتى ولو كانوا مِنْ جِنْسٍ واحدٍ.
نقل الميت من قبره:
وإذا حصلت الضرورة فيُمْكِن عَمَلُ أدوارٍ داخل القبر الواحد إنْ أمكن، أو تغطيةُ الميت القديم بقَبْوٍ مِنْ طوبٍ أو حجارةٍ لا تَمَسُّ جسمه ثم يوضع على القَبْو الترابُ ويُدفَن فوقَه الميتُ الجديد، وكذلك العظَّاماتُ؛ لا يُلجأ إليها إلَّا عند الضرورة التي لا تَنْدَفِع بغيرها، وذلك كلُّه بشرط التعامل بإكرامٍ واحترامٍ مع الموتى أو ما تَبقَّى مِنهم؛ لأنَّ حُرمة المسلم ميتًا كحُرمته حيًّا.
الحكمة من مشروعية دفن الميت وبيان صفة القبر شرعًا
وأوضحت الإفتاء أن الله تعالى شرَع دفن الميت ومُوارَاة بَدَنِهِ إكرامًا للإنسان وصيانة لحرمته وحفظًا لأمانته؛ حتَّى تُمنَع رائحتُه وتُصانَ جُثَّتُه، وحتى لا تنهشه السباع أو الجوارح؛ قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55]، وقال سبحانه في مَعرِض الِامتِنان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ۞ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25-26]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21].
الحكمة من دفن الميت:
وقد نصَّ الفقهاء على أنَّ أقل ما يُطلب في القبر حتَّى يصلح للِدَفن ويصدق عليه اسم القبر شرعًا -سواء كان لحدًا، أو شَقًّا، أو غيرهما؛ كالفساقي ونحوها-: هو حُفرةٌ تُوَارِي الميت، وتَحفظهُ مِن الِاعتِداء عليه، وتَمنعُ من انتشار رائحته.
قال العلَّامة ابن عابدين الحنفي في حاشيته "رد المحتار" (2/ 234، ط. دار الفكر)، عند بيان حدّ العمق داخل القبر: [والمقصود منه: المبالغةُ في منع الرَّائحة ونبش السباع] اهـ.
وقال العلامة البجيرمي الشافعي في حاشيته "تحفة الحبيب" (2/ 279، ط. دار الفكر): [والضابط للدفن الشرعي: ما يمنع الرائحة والسبُع، سواء كان فسقية أو غيرها] اهـ.
وقال العلَّامة البُهوتي الحنبلي في "كشَّاف القناع" (2/ 134، ط. دار الكتب العلمية): [(ويكفي ما يمنع الرائحة والسباع)؛ لأنه لم يرد فيه تقدير، فيُرجَع فيه إلى ما يُحَصِّلُ المقصود] اهـ.
دفن الميت في الأرض الرِّخوة:
وتعامل الفقهاء مع دفن الموتى في الأراضي الرِّخوة أو النَّدِيَّة تعاملًا مصلحيًّا، نظروا فيه إلى المصلحة بفعل ما يدفع الأذى عن الميت؛ فجوَّزوا اتِّخاذ الوسائل وعمل الإجراءات التي تزيد إحكام القبر وإغلاقه، فقالوا بجواز الدفن في تابوتٍ، سواء كان حجرًا أو خشبًا أو حديدًا، وبجواز وضع القصب أو البلاط بدلًا عن الطين، وبجواز وضع الأحجار التي تحفظ القبر من الاندراس والنبش، وبجواز تسجية القبر حماية من المطر أو الثلج، وبجواز توسيع القبر أو تعميقه أو رفع بنائه كلما احتيج إلى ذلك، ومع اختلافهم في المفاضلة بين الشَّقِّ والَّلحد فقد أجازوهما جميعًا، وهكذا:
قال الإمام الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 245، ط. الأميرية): [وإذا كانت الأرض رخوة: فلا بأس بالشَّق واتخاذ التابوت من حجرٍ أو حديدٍ، ويفرش فيه التراب] اهـ.
وقال العلَّامة بدر الدين العيني الحنفي في "البناية" (3/ 248، ط. دار الكتب العلمية): [وقال صاحب "المنافع" اختاروا الشق في ديارنا لرخاوة الأرض، فيتخذ اللحد فيها، حتى أجازوا الآجر، ودفون الخشب، واتخاذ التابوت، ولو كان من حديد] اهـ.
دفن الميت
وقال العلَّامة ابن نُجيم الحنفي في "النهر الفائق" (1/ 403، ط. دار الكتب العلمية): [وهذا يقتضي أن بناء القبر دون اللحد لا بأس به، هذا إن لم تكن الأرض رخوة، فإن كانت: فلا بأس بالآجُرِّ والخشب حوله] اهـ.
وقال أيضًا في "البحر الرائق" (2/ 209، ط. دار الكتاب الإسلامي) [وقيده الإمام السرخسي -أي: الآجُر والخشب- بأن لا يكون الغالب على الأراضي النزِّ والرخاوة، فإن كان: فلا بأس بهما؛ كاتخاذ تابوت من حديد لهذا، وقيده في "شرح المجمع" بأن يكون حوله، أما لو كان فوقه لا يكره؛ لأنه يكون عصمة من السبع.. (قوله: ويسجَّى قبرها لا قبره)؛ لأنَّ مبنى حالهن على الستر، والرجال على الكشف، إلا أن يكون لمطرٍ أو ثلج] اهـ.
وقال الإمام ابن الحاج المالكي في "المدخل" (3/ 264، ط. دار التراث): [والدفن في التابوت جائزٌ، لا سيَّما في الأرض الرخوة] اهـ.
وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (5/ 287، ط. دار الفكر): [وسائر الأصحاب يَكرَه أن يُدفَنَ الميتُ في تابوتٍ إلا إذا كانت رخوة أو ندية] اهـ.
وقال العلَّامة ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج" (3/ 194، ط. المكتبة التجارية): [(ويكره دفنه في تابوت) إجماعًا؛ لأنه بدعة، (إلا) لعذرٍ؛ ككون الدفن (في أرض نَدِيَة).