إطلالة
يتأرجح قانون الإيجارات الجديد ما بين الحزن الشديد والرفض التام ، أو السعادة البالغة والموافقة والترحيب...هاتان الحالتان يسودان الشعب المصري حالياً ، ولكن الغالبية العظمى هي التي تشعر بالبؤس والقهر .
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة المصرية إلى إصلاح البنية التشريعية وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، يطل قانون الإيجارات الجديد برأسه ليشعل الجدل مجددًا حول حقوق السكن، العدالة الاجتماعية، وأزمة الفقراء في مواجهة ضرورات الحياة. فهل يحقق القانون الجديد التوازن المنشود، أم أنه ينحاز لفئة على حساب أخرى؟ والأهم من ذلك، ما مصير الملايين من محدودي الدخل، وعلى رأسهم كبار السن وأصحاب المعاشات، الذين لا يملكون سوى "الإيجار القديم" كملاذ أخير يحميهم من شبح التشرد؟
لا ننكر أن قانون الإيجارات الجديد الغرض منه إنصاف الملاك الذين يتقاضون مبالغ زهيدة لا تواكب القيمة الحقيقية للعقارات – إلا أن تداعياته على الطرف الآخر، أي المستأجرين، قد تكون قاسية، بل ومأساوية في بعض الحالات.
الكثير من الملاك يطالبون بحقوقهم العادلة، معتبرين أن القانون القديم جمد أرزاقهم لعقود طويلة. فكيف يعقل أن يتقاضى المالك في بعض الشقق أقل من عشرة جنيهات شهريًا عن شقة تساوي ملايين في السوق العقارية؟ وكيف يمكن أن يورَّث عقد الإيجار لمستأجر ثالث أو رابع بعد المستأجر الأصلي؟
ويُطرح السؤال العادل هنا: أليس من حق المالك أن يستفيد من أملاكه بما يتماشى مع الأسعار الحالية والتضخم الاقتصادي؟
الإجابة ليست سهلة، لأن العدالة في هذا السياق تتطلب النظر إلى الطرفين، وليس من العدل أن تُحل مشكلة المالك بإلقاء المستأجر في الشارع. فالدولة حين سمحت بعقود الإيجار القديمة، كانت تعي أنها توفر حقاً إنسانياً في السكن لطبقات لا تستطيع تحمل كلفة السكن الحر ، ولا ننسي أن المالك التسعينات أن يتقاضى مقدم كان ليس بقليل بالنسبة لهذا التوقيت ، والسنوات القليلة الماضية كان عقد الشقة الدائم يدفع عنه مقدم يقدر بمبلغ كبير لو وضعه حينها مقدم شقة تمليك ودفع مبلغ الإيجار كقسط قسط لكان سدد ثمن الشقة .
إصلاح أوضاع الإيجار يتطلب حكمة وإجراءات دقيقة تراعي الواقع الاجتماعي للأسر المصرية. فبينما يسعى القانون لتحقيق عدالتين – لمالكي العقارات والمستأجرين – فإن تطبيقه الخاطئ قد يقود إلى تهجير جماعي للفقراء وتشريد أناس حرمهم الزمن من بدائل السكن.
ينبغي أن يكون قانون الإيجارات الجديد أكثر من حبر على ورق.
ففي ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، أصبح المواطن الفقير في مصر وكأنه يُصارع طواحين الغلاء يومياً، دون أي درعٍ يحميه. فارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتضاعف تكاليف الكهرباء والمياه، وقوائم الأدوية التي لا تنتهي، جعلت من الحياة عبئاً ثقيلاً لا يُحتمل. فكيف لمواطن يتقاضى معاشاً لا يتجاوز ألفي جنيه، أن يدفع إيجاراً جديداً يعادل نصف دخله أو أكثر؟ وكيف لأم أرملة، أو عامل بسيط، أن يواجهوا سيف القانون الجديد وهم عاجزون عن تأمين وجبتين يومياً لأطفالهم؟
لقد بلغ المواطن درجة من الضغط النفسي والمعيشي تجعله غير قادر على تحمّل أي عبء إضافي.
ويجب أن نعيد الكرامة للفقراء، لا أن نطردهم من بيوتهم. إن لم يتضمن هذا القانون حماية قوية لكبار السن وأصحاب المعاشات ، فيصبح هذا القانون حكماً بالإخلاء على ملايين المصريين.
والسؤال يبقى: هل سيكون القانون صوت العدالة؟ أم فأساً ينحر بيوت الفقراء عبر القضاء؟
وللحديث بقية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض