بعد كسر شوكة الغطرسة «الصهيوأمريكية»
مشروع الثورة الإيرانية يصطدم بحلم السيادة الإسرائيلية
خبراء يضعون سيناريوهات الصراع وأهمية تحصين الأمن البحرى المصرى
فى مشهد يعكس تحوّلات كبرى تشهدها المنطقة، تجاوز الصراع بين إسرائيل وإيران الطابع التقليدى للمواجهات العسكرية المتفرقة، لينتقل إلى طور صراع استراتيجى مفتوح يلامس جوهر التنافس على النفوذ فى الشرق الأوسط. هذا التوتر المتصاعد يتقاطع مع مرحلة دقيقة يعاد فيها رسم ملامح الإقليم، وسط تراجع الدور الأمريكى، وتصاعد الحضور الروسى والصينى، وتزايد الطموحات الإقليمية، ما يفتح الباب أمام مشهد جيوسياسى جديد تتصارع فيه الإرادات على من يملك الكلمة العليا فى الشرق الأوسط.
إنها حرب تتداخل فيها الأيديولوجيا، والمصالح الكبرى، والتحالفات المعقدة، والأهم من ذلك مشاريع الهيمنة الإقليمية، فلم تعد طهران لاعبًا إقليميًا فقط، بل تحوّلت إلى قوة توازن وتحدٍّ للنظام الإقليمى التقليدى بقيادة أمريكا وإسرائيل، على الجانب الآخر، تنظر إسرائيل إلى كل توسّع إيرانى باعتباره تهديدًا وجوديًا، فإيران لا تخفى نيتها فى إزالة إسرائيل، وتدعم خصومها بكل الأشكال، من صواريخ غزة إلى حزب الله، تسعى إسرائيل إلى احتواء إيران استباقيًا عبر الضربات الجوية، والاختراق الاستخباراتى، والتحالف مع دول عربية تعارض التوسع الإيرانى، لكن فى العمق، تخوض إسرائيل حربًا لفرض نفسها كقوة إقليمية أولى، قادرة على الحسم دون تدخل مباشر دائم من واشنطن.
وحذر خبراء ومحللون عسكريون من أن الصراع المتصاعد بين إيران وإسرائيل، سواء اندلع فى صورة حرب شاملة أو استمر فى شكله الحالى كحرب بالوكالة والضربات المحدودة، لن يفضى إلى منتصر واضح، بل سيفتح الباب لإعادة رسم خرائط النفوذ ومعادلات الردع فى الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
وأشار الخبراء فى تصريحات لـ«الوفد» إلى أن هذا الصراع لا يُعد مجرد سلسلة من ردود الأفعال، بل هو سباق محموم لترسيخ الهيمنة، كل طرف بطريقته، حيث تتقاطع الطموحات العقائدية الإيرانية مع الاستراتيجية الأمنية – التوسعية الإسرائيلية، ما يجعل من الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على احتمالات الانفجار أو إعادة التوازن.
ورغم أن المواجهة المباشرة تدور بين طهران وتل أبيب، إلا أن تداعياتها تتجاوزهما لتطال مصر، والخليج، والمشرق العربى بأسره، مع احتمالات تصعيد فى ساحات شديدة الحساسية مثل لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وهو ما قد يُفضى إلى موجات جديدة من النزوح، وأزمات اقتصادية، وتفكك مؤسسى فى بعض الدول.
وأكدت التحليلات أن جوهر الصراع يتمحور حول النفوذ الإيرانى المتزايد فى سوريا ولبنان والعراق واليمن، فى مقابل جهود إسرائيل للحد من هذا التمدد، عبر ضربات جوية متكررة، وتهديدات فى البحر الأحمر والخليج، فضلًا عن التوتر المتصاعد بشأن الملف النووى.
وشدد خبراء وقادة عسكريون على ضرورة أن تنظر مصر إلى هذا النزاع من زاوية أمن قومى فى المقام الأول، لا كمجرد تفاعل سياسى إقليمى، خصوصًا وأن أى تصعيد يمس سوريا أو لبنان قد ينعكس بشكل مباشر على مصر. ورجّح الخبراء أن يستمر الطرفان فى خوض حرب استنزاف طويلة الأمد دون الوصول إلى مواجهة شاملة، طالما لم تحدث تغييرات جذرية فى مواقف القيادة السياسية لدى أى من الطرفين. وهو سيناريو واقعى قائم قد تكون له تداعيات فورية على الأمن القومى المصرى، ما يستدعى يقظة استراتيجية وتحركات استباقية.
من ناحيته، قال اللواء أركان حرب سامى محمد شلتوت، الذى أفنى ثلاثين عامًا من عمره فى خدمة وحدات الصاعقة: منذ الساعات الأولى من فجر 13 يونيو الماضى وبقوة «200» طائرة وأكثر من «300» شنت إسرائيل أولى ضرباتها الجوية الإستباقية التى استهدفت البرنامج النووى الإيرانى وقيادة النظام الإيرانى الحاكم فى عملية أسمتها إسرائيل «الأسد الصاعد». استهدفت إسرائيل «100» موقع شملت برامج التخصيب النووى والتسليح النووى والصواريخ الباليستية الإيرانية،. تزامنا مع قرار محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يدين إيران لإنتهاكها التزاماتها النووية. و«الأسد الصاعد» أكدت إنكشاف وضعف الإستخبارات والدفاعات الجوية والإلكترونية الإيرانية. فلم تستخدم إيران فى ردها السريع، ربما بسبب تأثير الضربة الإسرائلية السابقة والحالية على الصواريخ الباليستية الإيرانية ومصانع الوقود الصلب الخاص بها.
وتلاحظ أن الضربة الإسرائيلية استهدفت البرنامج النووى وبرنامج الصواريخ فى آنٍ واحد، ما يوضح سبب تأخر إيران فى استخدام أى قدرات صاروخية متبقية خلال الرد، ومن المتوقع أن تنفذ الإستخبارات أو القوات الخاصة الإسرائيلية عمليات نوعية خاصة داخل إيران، مستغلة الوضع الحالى من فوضى، وهشاشة الإستخبارات والدفاع الإيرانى، بهدف التأثير على سمعة النظام الإيرانى والحرس الثورى الإيرانى. وقد تلوح إيران بإغلاق مضيق هرمز حالة قدرتها على التنفيذ، أو على سبيل التهديد وتوقع «شلتوت» أن تنفذ إيران أيضًا هجمات ضد السفارات الإسرائيلية وأهداف رمزية أمريكية وإسرائيلية، على نطاق ضيق، وأنه من الواضح أن هناك تعاونًا أو تراخيا عن عمد أو دون عمد من بعض الجهات والدول لكى تنجح إسرائيل من خلال خط سيرها لتنفيذ هجومها على إيران، وسوف تنكشف الحقائق عاجلا أو أجلا، لأن هناك أطرافًا لها مصلحة فى تدمير القدرات الإيرانية وواضح أن تحديد القدرات الإيرانية ومستوى الرد يتوقف على سرعة استعادة ايران لتوازنها واستخدامها لأزرعها فى اليمن والعراق ولبنان.
وتساءل «شلتوت» فى كل الأحوال هل يرقى رد الفعل الإيرانى لمستوى الحدث والخسائر التى خلفها الهجوم الإسرائيلي؟ لن تتوقف هذه الكارثة إلا اذا تدخلت روسيا والصين والإتحاد الأروبى.
وأكد «شلتوت» أن مصر ليست طرفًا مباشرًا فى الصراع، لكنها طرف محورى فى تداعياته وأن التهديدات المحتملة تنحصر فى تعطيل قناة السويس بسبب أى تصعيد فى البحر الأحمر، وتصاعد التوتر فى غزة وسيناء مع تحرك فصائل محسوبة على إيران وتأثر الاقتصاد المصرى بأسعار الطاقة والنقل العالمى وتهديد مباشر للملاحة الدولية فى باب المندب الذى يشكل عمقًا استراتيجيًا لمصر.
وحول السيناريوهات المتوقعة يقول الدكتور وائل ربيع إن استمرار الضربات المتبادلة دون مواجهة شاملة، أو استهداف منشأة نووية إيرانية، قد يشعل المنطقة من لبنان إلى اليمن، فلابد من تدخل دولى لاحتواء الصراع بوساطة أميركية أو صينية، مع دور محتمل لمصر كوسيط بحكم علاقاتها المتوازنة.
أما عن دور الجيش المصرى فهو رفع جاهزية القوات فى سيناء والبحر الأحمر تحسبًا لأى امتداد للنزاع، وتعزيز التنسيق الأمنى والدبلوماسى مع دول الخليج والأردن، والاستعداد لدور وساطة إقليمى فى حال تدهور الأوضاع فى غزة أو سوريا، ورصد النشاط الإيرانى فى القرن الإفريقى وليبيا بدقة، لقطع أى محاولة لتوسيع نفوذ غير مباشر على حدود مصر، وتابع: «نحن أمام لحظة تاريخية حساسة، والمطلوب من مصر أن تتصرف كدولة مركزية صاحبة خبرة فى إدارة التوازنات، لا كدولة تابعة لمحور أو متفرجة على اشتعال الجوار»، مضيفًا أن «المعركة القادمة قد لا تُخاض فقط بالأسلحة، بل بالعقول والقرارات الذكية»، وأكد أن العملية الاسرائيلية فى إيران تعتبر إنجازًا عسكريًا غير مسبوق لاسرائيل، ولكن إذا فشلت إسرائيل فى وضع آلية ختامية تحافظ على هذه الإنجازات، وواصلت إيران، من ناحية أخرى إطلاق صواريخها تجاه إسرائيل، فقد يدخل الطرفان فى حالة “استنزاف” قد تتضرر فيها المصالح الأمنية الإسرائيلية، نظرًا للثمن الباهظ الذى يدفعه الاقتصاد والمجتمع الإسرائيليان نتيجة استمرار المعركة.
ووفقًا للتقديرات الدولية والإسرائيلية توقع «ربيع» أن احتمالات إطالة زمن الحرب واردة، باعتبار أن البلدين لا يستطيعان وقفها حاليًا فإسرائيل لم تحقق هدفها بعد، مقابل أجواء إيرانية مكشوفة للطيران الاسرائيلى تتيح لها المزيد، وإيران لا تستطيع أن تسمح لنفسها بهزيمة قد تؤدى إلى سقوط نظامها بالكامل، ولذلك فهى معنية بإيقاع أقصى درجات الضرر بإسرائيل.
وفى النهاية يقول الخبير العسكرى والاستراتيجى أنه لا يزال من المبكر التقدير بما ستؤول إليه الأمور فى المعركة الإسرائيلية الإيرانية، فكل المقومات للتصعيد قائمة بما فيها تحويلها إلى أزمة دولية متعددة الاطراف وحصريا فى حال تحولت إلى حرب نفط وطاقة، وأنه رغم قوة الضربة الإسرائيلية وتفوقها الاستخباراتى العملياتى لحد الآن والمدعوم أمريكيًا وبريطانيًا مقابل إيران المعزولة دوليًا، الا أنها بعيدة عن الحسم، ما قد يطيل أجلها لاسابيع طويلة، خاصة أن المستهدف هو النظام الإيرانى وبنية الدولة. إسقاطات الحرب على الحالة الفلسطينية وحصريا على الحرب على غزة، جذبت الأنظار عالميا واقليميا عن غزة المحاصرة وتستمر فيها أعمال القتل والإبادة على قدم وساق بالتزامن مع العمليات فى إيران، ما يتطلب عربيًا تعزيز الجهود لعقد مؤتمر نيويورك الذى أُرجئ حاليا نحو إقامة دولة فلسطينية، ووضع مسألة وقف الحرب على غزة فى طليعة الأولويات العربية والدولية.

