فى زمن يتهاوى فيه الثابت، وتتهدّد فيه الحقيقة من داخل المؤسسات ذاتها، وقفت الصحافية المخضرمة كريستيان أمانبور على منبر جامعة هارفارد مخاطبة خريجى كلية كينيدى فى ربيع 2025، لتوجه إليهم نداءً لا يخلو من مرارة التجربة، ولا من إشراقة الأمل: تحلّوا بالشجاعة الأخلاقية، لأنّ الصمت لم يعُد فضيلة، والمهادنة لم تعُد خيارًا.
قالت كريستيان أمانبور، كما ورد على صفحة كلية كنيدى بجامعة هارفارد (28-5-2025): «لا أرغب فى أن أظل أقاتل، لكن يبدو أننى مضطرة لذلك... ويجب أن أواصل». لم تكن كلماتها مجازية، بل خلاصة عقودٍ من تغطية المآسى الإنسانية، من البوسنة إلى بغداد، ومن طهران إلى كابول. لكنها كانت تخاطب هذه المرّة نخبة أكاديمية من 86 دولة و38 ولاية أمريكية، مُطالبة إيّاهم بأن يتجاوزوا مهنهم المستقبلية، ليكونوا صوتًا للضمير فى عالمٍ تزداد فيه تكلفة الصدق.
كان السياق السياسى مشحونًا: ضغوط من إدارة ترامب لتقويض تمويل الأبحاث، وتقليص حضور الطلبة الأجانب، وزعزعة استقلالية الجامعات. وقد علّق عميد كلية كينيدي، جيريمى وينشتاين، على هذا الواقع المتقلّب بقوله: «نحن نعيش لحظةً تُختبر فيها المبادئ التى قامت عليها مؤسساتنا... ولا بدّ من حماية الحق فى السعى نحو الحقيقة، دون خوف أو مساومة».
أما أمانبور، التى هاجرت من إيران بعد سقوط الشاه، فقد استدعت ذاكرتها الشخصية لتُضيء بها الحاضر. تذكّرت شعارات الكراهية ضد الإيرانيين، والحجارة التى طالت زملاءها فى الحرم الجامعي، ثم أكدت: «إن لم تكن الجامعة ملاذًا لتعدد الأفكار، فأين يكون ذلك؟ وإن لم يتشكل وعيكم الآن، فمتى؟».
وهى لا ترى الصحافة مجرد مهنة، بل «خدمة عامة وركن أساس لأى ديمقراطية حقيقية». وحين يُحاصر الصحافيون، وتُغلق المنصات، وتُحظر الكلمات، يبقى الإيمان بالرسالة هو الدرع الأخير: «لن نصمت. لا حينها، ولا الآن، ولا غدًا».
فى ظلّ صراع الجامعة مع سياسات الإدارة الأمريكية، التى تطعن فى استقلاليتها وتمويلاتها وحقها فى استقبال الطلبة الأجانب، جاء خطاب أمانبور كأنّه بيان مقاومة أكاديمية. فى كلمتها، تماهى معنى الصحافة بالرسالة الاكاديمية— قول الحقيّقة فى وجه السلطان، وتحمّل العاقبة مهما بلغت. لقد أكدت أنّ «الصحافة ليست ترفًا، بل غذاءٌ للحقيقة»، وأنّ مؤسساتٍ مثل «صوت أمريكا» «راديو أوروبا الحرة» لم تكن أدوات إعلامية وحسب، بل كانت جمرًا حيًّا تحت رماد القمع، تسند أسرى الفكر حتى يتحوّلوا إلى قادة تحرر.
وقد أنهت كلمتها بنداء موجز، لكنه شديد الوضوح والوقع:
«العالم بحاجة إليكم، وأمريكا بحاجة إلى سفراء مثلكم».
ما قالته أمانبور لم يكن خطاب تخرج، بل نداء ضمير فى زمن الباطل، وبيان ولاء للحقيقة فى وجه الزيف. دعوة لرفع الرؤوس لا للاختباء، بل للشهادة، وللسير سفراءً للحق، بنّائى جسورٍ فى عالمٍ يعج بالمتاريس، وحملة مشاعل فى مؤسسات يُعاد فيها تشكيل المستقبل.