الشرق الأوسط على جمرة نار
انسحاب أمريكى وترقب لضربة إسرائيلية وتهديد إيرانى بصواريخ بلا هوادة
طهران تتحدى الطاقة الذرية وتفتح منشأة جديدة للتخصيب ردًا على قرار اللوم الأممى
بدأت الولايات المتحدة فى سحب دبلوماسييها من العراق والسماح بالمغادرة الطوعية لأفراد عائلات العسكريين الأمريكيين المنتشرين فى الشرق الأوسط بسبب مخاوف من ضربة إسرائيلية وشيكة على إيران واحتمال رد طهران بشكل عنيف هذه الخطوة تعكس تصاعد القلق داخل الإدارة الأمريكية من اندلاع صراع إقليمى واسع قد يعرقل محاولات الرئيس دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق نووى جديد مع إيران يحد من قدرتها على إنتاج الوقود المستخدم فى تصنيع قنابل نووية.
ذكرت مصادر أمريكية وأوروبية أن إسرائيل تجهز لهجوم محتمل على إيران دون وضوح فى نطاق هذا الهجوم أو توقيته الدقيق لكنها خطوة تنذر بتصعيد كبير فى المنطقة فى الوقت نفسه يبدو أن إدارة ترامب لا تزال تفضل المسار التفاوضى رغم إحباطها المتزايد بسبب رفض المرشد الأعلى الإيرانى المقترحات الأمريكية المتعلقة بتقليص تخصيب اليورانيوم على الأراضى الإيرانية، وكان ترامب قد رفض سابقا خطة إسرائيلية لضرب إيران مشددا على رغبته فى منح فرصة للدبلوماسية، وأبلغ رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو قبل أسبوعين بأنه لا يريد ضربة عسكرية أثناء المحادثات الجارية مع طهران.
رغم ذلك لم يتضح حجم الجهود التى يبذلها ترامب حاليا لثنى نتنياهو عن القيام بعملية عسكرية جديدة خاصة أن الرئيس الأمريكى بدا فى الأيام الأخيرة أقل تفاؤلا بإمكانية تحقيق انفراجة دبلوماسية، وبينما كان المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون يخططون لجولة محادثات جديدة فى سلطنة عمان صرح ترامب بأن الموقف الإيرانى بات غير مقبول، ومع ذلك فإن المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف لا يزال يستعد للسفر إلى عمان رغم التصعيد العسكرى فى الأفق.
بالتزامن مع هذه التطورات أطلقت بريطانيا تحذيرا بحريا جديدا يشير إلى تزايد التوترات فى المنطقة وخطر النشاط العسكرى على الملاحة التجارية فى الخليج العربى وخليج عمان ومضيق هرمز داعية السفن لتوخى الحذر الشديد كما ذكرت وزارة الخارجية الأمريكية أنه سيتم سحب بعض الموظفين الأمريكيين من السفارات فى البحرين والكويت مع إعطاء الإذن بالمغادرة الطوعية لعائلات العسكريين الأمريكيين خصوصا من وحدات البحرية ومشاة البحرية فى البحرين التى تضم قاعدة بحرية أمريكية رئيسية.
فى السياق نفسه أبلغت إيران الأمم المتحدة رسميًا بنيتها فتح منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم، فى خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدًا واضحًا فى سياق التوترات النووية المتزايدة. ويأتى هذا الإعلان الإيرانى كرد مباشر على بيان صدر عن مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اتهم فيه طهران بعدم الامتثال لالتزاماتها الدولية المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة النووية. وأثار القرار الإيرانى مخاوف من اتساع الفجوة بين إيران والمجتمع الدولى، فى وقت تتصاعد فيه الضغوط الدبلوماسية لإعادة إحياء الاتفاق النووى الذى بات مهددًا أكثر من أى وقت مضى.
وكان قد عبر دبلوماسيون فى اجتماع مغلق إن مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذى يضم 35 دولة أقر أمس الخميس قرارا يعلن رسميا أن إيران تنتهك التزاماتها بشأن منع الانتشار النووى للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما.
وجاء فى نص قرار مجلس محافظى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذى اطلعت عليه رويترز: «يرى (المجلس) أن إخفاقات إيران المتكررة فى الوفاء بالتزاماتها منذ عام 2019 بتوفير التعاون الكامل وفى الوقت المناسب للوكالة فيما يتعلق بالمواد والأنشطة النووية غير المعلنة فى مواقع متعددة غير معلنة فى إيران... يشكل عدم امتثال لالتزاماتها بموجب اتفاقية الضمانات.
كما أكد وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى أن إيران سترد بقوة إذا تم تبنى قرار اللوم من قبل الوكالة الذرية مؤكدا أن هذا القرار سيدفع طهران إلى تصعيد إضافى فى أنشطتها النووية وربما العسكرية وهو ما حدث بالفعل.
وقال مسئول الإيرانى إن دولة «صديقة» نبهت طهران إلى ضربة محتملة على مواقعها النووية من جانب عدوها اللدود إسرائيل، وأكد أن الجمهورية الإسلامية لن تتخلى عن التزامها بالتخصيب.
ونقلت عن شبكة NBC عن خمسة مصادر مطلعة أن إسرائيل تدرس تنفيذ هجوم على إيران خلال أيام، وبدون دعم أمريكى،وبحسب التقرير، تدرس إسرائيل خيار استهداف البنية التحتية النووية للجمهورية الإسلامية، فى ظل مخاوفها من أن توافق واشنطن على اتفاق لا يحقق مطالبها بإنهاء كل أنشطة التخصيب الإيرانية
وأفادت المصادر للشبكة أنه لا توجد خطط أمريكية لدعم إسرائيل فى ضربتها، لا عبر التزود الجوى بالوقود ولا من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، لكنهم أشاروا إلى أن المسئولين الأمريكيين فى حالة تأهب.
من جهة أخرى أثارت تصريحات الجنرال الأمريكى مايكل كوريلا قائد القيادة المركزية الأمريكية غضب الإيرانيين بعدما كشف أنه عرض على ترامب ومستشاره بيت هيجسيث مجموعة واسعة من الخيارات العسكرية لضرب إيران وردت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة على هذه التصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعى ووصفتها بأنها تصعيد غير مبرر يزعزع الاستقرار الإقليمى وأضافت أن الولايات المتحدة تسعى إلى عسكرة الأزمة النووية بدلا من السعى إلى حل دبلوماسى.
تشير تقديرات المحللين إلى أن إيران باتت قادرة تقريبا على إنتاج مواد نووية تكفى لصنع عشر قنابل نووية فى حال قررت اتخاذ هذا المسار وبناء رأس نووى فعال قد يتطلب عدة أشهر لكن هذا السيناريو وحده يكفى لإثارة قلق شديد فى إسرائيل التى تعتبر أى تقدم نووى إيرانى تهديدا وجوديا وقد هدد عدد من كبار المسئولين الإسرائيليين بشن عمليات عسكرية استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.
ومع ذلك يحذر بعض الخبراء من أن إيران تعمل على إعادة بناء منظوماتها الدفاعية وأن كل أسبوع يمر يزيد من صعوبة أى هجوم إسرائيلى دون دعم أمريكى مباشر ومن غير الواضح حتى الآن إذا كانت تل أبيب تملك القدرة على تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل فعال من دون مساندة واشنطن.
أدت هذه التوترات إلى ارتفاع أسعار النفط حيث تجاوز سعر البرميل فى الأسواق الأمريكية 68 دولارا وهو أعلى مستوى له منذ أبريل حين فرض ترامب رسوما جمركية على معظم الشركاء التجاريين ما زاد من الضغوط على الاقتصاد العالمى ويخشى المستثمرون من أن يؤدى اندلاع قتال فى المنطقة إلى تعطيل إمدادات النفط العالمية أو إلى تشديد العقوبات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران مما قد يفاقم الوضع فى أسواق الطاقة.
فى هذا السياق تواصل حاملة الطائرات الأمريكية كارل فينسون وجودها فى بحر العرب منذ عدة أسابيع وعلى متنها أكثر من 60 طائرة بينها مقاتلات الشبح المتقدمة إف 35 وأكد مسئول كبير فى البحرية الأمريكية أنه لا توجد حتى الآن خطط لتغيير موقع الحاملة رغم التطورات المتسارعة فى المنطقة وتملك الولايات المتحدة أيضا عشرات الطائرات الهجومية والمقاتلة المنتشرة فى قواعد مختلفة بالشرق الأوسط وقد لعبت هذه الطائرات دورا محوريا فى الدفاع عن إسرائيل فى المواجهات السابقة ضد الهجمات الإيرانية ما يعكس حجم الدعم العسكرى الأمريكى لحليفتها الاستراتيجية فى المنطقة.
