رؤية:
تمر الولايات المتحدة الأمريكية بحالة من الفوضى فى ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، ربما لم تشهدها من قبل، سواء على المستوى السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى. وعلى الرغم من الوعود التى أطلقها «ترامب» خلال حملته الانتخابية بفرض النظام وإنهاء الفوضى، فإن الواقع على الأرض يسير فى اتجاه مغاير، ويتضح ذلك فى احتجاجات متكررة فى عدد من المدن، وتخبط فى سياسات داخلية وخارجية أثارت ردود فعل غاضبة حتى من بعض أنصاره السابقين.
مظاهر التخبط فى المشهد السياسى الأمريكى، تتضح فى الفوضى الحالية بولاية كاليفورنيا، وخصوصًا لوس أنجلوس ذات الأغلبية الديمقراطية التى تقف فى مواجهة شبه دائمة مع إدارة «ترامب» حول سياسات اللاجئين، والبيئة، وحقوق الأقليات. اندلعت الاحتجاجات الحاشدة ضد أوامر الترحيل الجماعى التى أصدرتها إدارة «ترامب»، وخرج الآلاف إلى الشوارع رافعين شعارات مثل «لن نرحل» و«هذه بلادنا أيضًا». كما شهدت أحياء متعددة مواجهات متفرقة بين المتظاهرين والشرطة، وسط القنابل المسيلة للدموع واعتقال العشرات. ويتهم سكان المدينة السلطات بانتهاك الحريات المدنية، بينما يعتبر الجمهوريون أن كاليفورنيا تمثل نموذجًا «للفوضى الليبرالية» التى تتجاهل القانون. هذا الصراع المفتوح بين الولاية والحكومة، يجعل من كاليفورنيا ساحة رمزية للصراع الأوسع حول هوية أمريكا ومستقبلها السياسى.
«ترامب» من جهته لم يتردد فى وصف المحتجين بأنهم «فوضويون مدعومون من اليسار المتطرف»، واعتبر أن ما يجرى محاولة لإضعاف البلاد من الداخل. ورغم أن هذه اللغة تلقى ترحيبًا لدى شريحة كبيرة من قاعدته الانتخابية، إلا أن مراقبين يرون فيها تحريضًا مباشرًا يزيد من حالة الاستقطاب بدلًا من تهدئتها.
على المستوى السياسى، تبدو إدارة «ترامب» مرتبكة فى التعامل مع الملفات الكبرى. ففى ملف الهجرة، أثارت قرارات ترحيل واسعة لمهاجرين غير شرعيين توترًا كبيرًا فى ولايات ذات أغلبية لاتينية مثل كاليفورنيا وتكساس. أما فى السياسة الخارجية، فقرارات «ترامب» بتقليص الدعم العسكرى لأوكرانيا، والتقارب المفاجئ مع روسيا، والموقف المتواطئ مع الكيان الصهيونى من الإبادة الجماعية فى غزة، خلقت صدمة لدى حلفاء واشنطن الذين بدأوا بمراجعة علاقاتهم مع أمريكا.
الاقتصاد بدوره ليس فى حال أفضل، حيث أدت التصريحات المتضاربة للرئيس إلى تقلبات حادة فى الأسواق، فى وقت يعانى فيه المواطن الأمريكى من ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار أزمة الإسكان. هذا التناقض بين خطاب الرئيس وواقع المواطن يخلق شعورًا متزايدًا بالإحباط، حتى فى بعض الأوساط التى كانت تؤيده سابقًا على أمل تحسين الاقتصاد.
أما الحزب الديمقراطى، ورغم خسارته فى الانتخابات الماضية، فلا يزال حاضرًا بقوة فى الشارع، لكنه يواجه تحديًا يتمثل فى توحيد صفوفه وتقديم بديل سياسى واضح. هناك من يتهم الديمقراطيين بتأجيج الشارع عبر دعمهم لبعض الاحتجاجات، لكنهم ينفون ذلك، مؤكدين أن من حق الشعب التعبير السلمى عن رأيه، وأن ما يحدث هو نتيجة «سياسات متهورة لا تحترم التعددية والحريات».
فى ظل هذا المشهد المعقد، تبدو أمريكا وكأنها تتحرك فى حلقة مفرغة: إدارة تصر على فرض رؤيتها بالقوة، وشعب متوتر يزداد رفضه لسياساتها، ومجتمع دولى يراقب وينتظر إذا كانت واشنطن ستحافظ على موقعها القيادى، أم أنها ستدخل مرحلة اضطراب طويل؟.
المشكلة أن الخطاب السياسى فى أمريكا لم يعد يناقش الحلول بقدر ما يغذى الانقسام. كل طرف يتهم الآخر بإفساد البلاد، بينما الشارع يغلى، والثقة بالمؤسسات تتآكل. ما يحدث الآن ليس مجرد فوضى عابرة، بل تحوُّل عميق فى شكل العلاقة بين المواطن والدولة، وبين الشعب ونخبته السياسية. وإذا استمرت النخبة الحاكمة فى النظر إلى ما يحدث بعين انتخابية ضيقة، فإن البلاد قد تتجه إلى مزيد من التصعيد، داخليًا وخارجيًا.
إن الولايات المتحدة اليوم ليست فقط فى أزمة، بل فى لحظة حاسمة من تاريخها. وكل من يراقب ما يجرى يدرك أن تأثيره لن يبقى داخل الحدود الأمريكية، بل سيمتد إلى العالم كله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض