قضية ورأى
الإدارة المحلية فى أى دولة، هى مرآة حقيقية لتفاعل السلطة مع المواطن، كونها الأقرب إلى مشاكله اليومية واحتياجاته المباشرة.
وفى مصر، ورغم ما تملكه الإدارة المحلية من أهمية حيوية، فإنها تعانى عدداً كبيراً من المشاكل البنيوية والوظيفية التى تعرقل قدرتها على القيام بدورها بفعالية. ويزداد هذا الوضع إلحاحًا فى ضوء التحديات التنموية والاجتماعية التى تواجهها الدولة المصرية، خاصة فى الريف والمناطق العشوائية والقرى المهمشة.
لعل أول ما يصدمك، هى المركزية المفرطة، إذ تتركز أغلب الصلاحيات والموارد فى يد الحكومة المركزية، أو الوزراء، ولا تتمتع الوحدات المحلية بسلطات حقيقية فى التخطيط أو التصرف المالى أو التشريعي.
وتصدر معظم القرارات المهمة من القاهرة، ما يؤدى إلى بطء الاستجابة للمشكلات المحلية.
دائماً تُعيَّن وتقال القيادات المحلية من الصف الأول سواء المحافظون ونوابهم وسكرتيرو العموم وسكرتيرو العموم المساعدون.. دون أسباب.
ويبقى رؤساء مجالس المدن والأحياء ونوابهم ورؤساء الوحدات المحلية، عرضة للتدوير الدائم، وليس من حقهم الترقى لمنصب المحافظ..
وقليل ما هم فى منصب السكرتير العام أو السكرتير العام المساعد.. وربما نادراً.
منذ حل المجالس المحلية عام 2011، لم تُجرَ انتخابات جديدة حتى الآن. وهذا الفراغ فى البنيان السياسى والشعبى، ترك فراغًا رقابيًا وتشريعيًا على المستوى المحلي. ودون مجالس منتخبة، تغيب المشاركة الشعبية، وينعدم التوازن بين السلطة التنفيذية والرقابية فى المحافظات.
ومن يقترب من الوحدات المحلية، سيدرك أنها تعانى من نقص شديد فى الموارد المالية، إذ تعتمد بنسبة كبيرة على التمويل القادم من الحكومة. وتُحرم المجالس المحلية من أدوات التمويل الذاتى كفرض الرسوم المحلية أو الاستثمار فى أصولها، ما يجعلها غير قادرة على تنفيذ خطط التنمية أو تحسين الخدمات.
أما اتهامات الفساد، فأصحبت تلاحق الأحياء والوحدات المحلية، سواء كانت لوقائع حقيقية أو من قبيل المزايدة، بدءًا من الرشاوى فى استخراج التراخيص، إلى فساد التوريدات والتعاقدات. وغياب الرقابة والمحاسبة الفعالة، إلى جانب ضعف الشفافية.
والاتهامات المرسلة، تؤدى إلى استمرار الممارسات الفاسدة، خصوصًا فى مجالات مثل تراخيص البناء، والمخالفات، وتوزيع الموارد، لأنها تضغط على الشرفاء، وتحولهم إلى تروس فى آلة الفساد الرهيبة.
وهذه الاتهامات، سواء كانت صحيحة فى مجملها أو كاذبة، فإن الأدعى هو بناء المجالس الشعبية المحلية لتوفر عنصر الرقابة الشعبية.
ليست الرقابة فقط، وإنما المشاركة الشعبية، من أجل تحسين الخدمات.
فبعض المحافظات فشلت حتى الآن فى حل مشكلة جمع القمامة، وربما لن تنجح فى ذلك على المدى القريب.
قبل ساعات، هللت المواقع الإلكترونية، لخبر حل «عاجل» وجذرى لمأساة عمارة نفق نصر الدين بالهرم.
هل تتخيلون، مشكلة عمرها 34 عاماً، وعندما يتم حلها نعتبر ذلك إنجازاً؟
لا أقلل من جهد محافظ الجيزة المهندس عادل النجار، فقد نجح الرجل فى إنهاء مشكلة فشل حشد من المحافظين الذين سبقوه فى حلها.
فطوال عقد التسعينيات ثم عقد نهاية القرن العشرين، ثم العقد الأول من القرن العشرين، ثم العقد الثانى، ونحن الآن فى العقد الرابع للمشكلة.. طوال هذه المدة كانت العمارة رمزاً للفشل الإدارى؟
رمز للفشل، يصعب محوه، خصوصاً أن كل محافظة فيها نموذج مماثل لمشكلة عمارة نصر الدين.
إنها المركزية فى أبشع صورها.
فمتى تحين لحظة البناء؟