رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

يكافحن جنون الأسعار

أمهات.. فى معركة الميزانية !

بوابة الوفد الإلكترونية

اللحوم والفواكه للزينة.. والغلاء يحاصر مطابخ المواطنين
رئيس لجنة الموازنة بـ «النواب» : 32% من المصريين تحت خط الفقر
استشارى نفسى: الزوجة المدبرة طوق نجاة الأسرة فى الأزمات

 

«بقينا نحسب كل جنيه قبل ما يخرج من جيبنا، اللحمة ما شفناهاش بقالنا شهر، وحتى الفراخ بقت رفاهية».. بهذه الكلمات البسيطة، لخصت «أم دعاء»، ربة منزل فى العقد الرابع من عمرها، واقع ملايين المصريين الذين باتوا يواجهون موجة غير مسبوقة من الغلاء وسط مرتبات هزيلة لا تتجاوز فى معظمها 3 أو 4 آلاف جنيه شهريًا.
(نار الأسعار)
فى السنوات الأخيرة، شهدت مصر ارتفاعًا متسارعًا فى أسعار السلع والخدمات، انعكس بشكل مباشر على مستوى معيشة المواطن العادى، الأسواق الشعبية، التى كانت ملاذًا للفئات المتوسطة والفقيرة، لم تعد كما كانت، كيلو اللحمة البلدى تجاوز 400 جنيه فى بعض المناطق، بينما تراوحت أسعار الدواجن بين 120 و150 جنيهًا للكيلو، وسط تراجع كبير فى القدرة الشرائية للأسر.
يقول سامى، موظف وأب لثلاثة أطفال: «مرتبى 3900 جنيه، أدفع إيجار بـ 1500، وفواتير كهرباء ومياه وغاز بتوصل لـ1000، يتبقى أقل من 1500 جنيه نعيش بيهم شهر مستحيل نشترى لحمة ولا فراخ، بنعتمد على العدس والبطاطس والجبنة القديمة».
(السفرة من غير لحمة)
ربات البيوت، الأكثر تضررًا من هذا الواقع، وجدن أنفسهن فى مواجهة تحد يومى لإعداد وجبات تكفى الأسر دون إرهاق الميزانية. تقول «أم أحمد»، ربة منزل تقيم فى إحدى المناطق الشعبية بالقاهرة: «بقيت أطبخ يوم بيوم، مفيش حاجة بتتشال فى التلاجة، طبق العدس بقى وجبة أساسية، والفراخ ما بنشتريهاش غير فى المناسبات، زمان كنا بنشترى نص فرخة، دلوقتى مش قادرين عليها».
تقول «أمانى محمد»، مدرسة: «بقيت أشترى كميات كبيرة من الأرز والمكرونة والزيت من الجمعية لما يكون عندى فلوس، عشان استفيد من الخصم، اللحوم نسيتها خالص، وبنكتفى بالبيض والبقوليات، حتى الفاكهة بقت للزينة فى السوق بس».
(حرب من أجل العيش )
يقول خالد، موظف فى شركة خاصة: «بشتغل فى شركة من 9 لـ5، وبعدها بطلع أشتغل توصيل طلبات عبر تطبيقات الموبايل، مراتى كمان بدأت تبيع أكل بيتى على الإنترنت، إحنا مش عايشين، إحنا بنحارب علشان نعرف نعيش».
وعلى الرغم من الوعود الحكومية المتكررة بمواجهة الفقر، والتى كان أبرزها تعهد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى فى عام 2018 بعدم ترك أى مواطن تحت خط الفقر، إلا أن الواقع الاقتصادى يكشف صورة مغايرة، فقد أظهر أحدث تقارير البنك الدولى ارتفاع معدل الفقر فى مصر إلى 32,5% من السكان، فى مؤشر سلبى يعكس فشل الجهود الحكومية، رغم إطلاق أكثر من 22 برنامجًا للحماية الاجتماعية، تجاوزت تكلفتها السنوية 635 مليار جنيه.
(محاربة الفقر)
أكد الخبراء، أن مكافحة الفقر تتطلب حزمة متكاملة تشمل دعم وتمويل المشروعات الصغيرة، وتقديم قروض بفوائد منخفضة، بما يوفر دخلًا مستدامًا للأسر الفقيرة ويقلل اعتمادها على المساعدات المباشرة، مشيرين إلى أن معالجة الفقر لا تكتمل دون توسيع قاعدة المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية وزيادة مخصصاتها، لكن ذلك يرتبط بشكل مباشر بقدرة الدولة على تعزيز مواردها وإعادة هيكلة أولويات الإنفاق العام.
بدوره، أكد فخرى الفقى، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن نسبة المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر تقترب من 32% من إجمالى السكان، مشيرًا إلى أن الحكومة تعمل على مواجهة هذا التحدى من خلال توسيع برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر احتياجًا، بهدف تخفيف الأعباء المعيشية عنهم.
وأوضح «الفقى» أن مشروع الموازنة العامة الجديدة للعام المالى 2024/2025 قد تم إطلاق عليها اسم «موازنة النمو والاستقرار والشراكة والثقة بين المصالح الضريبية والمجتمع»، فى إشارة إلى التوجه العام نحو تعزيز التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية الطبقات المحدودة الدخل.
وأضاف أن الموازنة تستهدف تعزيز معدلات الإنتاج ودفع عجلة النمو الاقتصادى، حيث تتوقع الحكومة أن يسجل الناتج المحلى الإجمالى نحو 17,3 تريليون جنيه فى العام المالى الحالى، مع خطة لرفعه إلى 20,4 تريليون جنيه خلال موازنة 2025/2026، بدعم من استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتحسين بيئة الاستثمار.
وأشار «الفقى» إلى تراجع معدل النمو السكانى إلى نحو 1,3%، وهو ما يُعد تطورًا إيجابيًا يسهم فى تحسين مؤشرات التنمية المستدامة.
(ضغوط نفسية)
تؤكد الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الأزمة الاقتصادية الحالية تلقى بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية للأسر المصرية، وتؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية، لاسيما للنساء اللاتى يتحملن العبء الأكبر فى إدارة الأزمات داخل البيت.
تقول «خضر» فى تصريحات خاصة لـ «الوفد»: «إن الضغوط النفسية لم تعد مقتصرة على الأوضاع الاقتصادية فقط، بل أصبحت تمتد إلى التوازن العاطفى داخل الأسرة، فى كثير من الحالات التى تابعتها أو قُدمت لى كشهادات، لاحظت أن وجود أكثر من طفل فى الأسرة يزيد العبء بشكل كبير، خاصة حين يكون الدخل محدودًا، حتى فى الأسر التى لديها طفل واحد، نشهد أحيانًا أزمة كبيرة فى إدارة الاحتياجات الأساسية».
وتُشير إلى أن المرأة المصرية لا تزال تلعب الدور الأهم فى مواجهة الأزمات، وتقول: «الست المصرية شاطرة، دائمًا عندها حلول، بتعرف تطبخ من أبسط المكونات، وتدور على العروض، وتشترى فى الأوقات اللى فيها تخفيضات، عندها قدرة فطرية على تدبير الأمور حتى فى أصعب الظروف، لكنها أصبحت الآن مضغوطة نفسيًا بدرجة أكبر بسبب كثرة المسئوليات وانعدام الدعم الكافي».
وتُضيف: «المرأة مش بس أم وزوجة، هى كمان مربية وموجهة، لما تكون الأم عندها بنت، لازم تبدأ تهيئها من دلوقتى لإدارة حياتها بشكل اقتصادى، تعلّمها تفرق بين الاحتياجات والرغبات، وتفهمها أهمية الأولويات، التربية على الوعى الاقتصادى من سن صغير هو جزء من التربية السليمة».
وتلفت «خضر» إلى أن الأزمات ليست جديدة على المصريين، وتقول: «إحنا مش أول جيل يمر بأزمة. مررنا بحروب وأزمات اقتصادية صعبة فى الستينيات والسبعينيات، وكنا بنعيش بإمكانيات محدودة، لكن كان عندنا قدرة على التكيف والرضا، وكان فيه مشاركة حقيقية بين أفراد الأسرة، النهارده الوضع مختلف، لأن السوشيال ميديا بقت تضغط على الناس، وبتخلى الكل عايز يعيش زى الآخرين حتى لو على حساب نفسه».
وتشرح «خضر»: «الأب أحيانًا يضطر يقول لأولاده: مفيش، مش لأنهم مش عايزين يوفروا، ولكن لأن الموارد فعليًا مش مكفية، الأم بتضطر تدير الأمور بأقصى درجات الذكاء، يمكن تشترى مرة فى الأسبوع، تجمع الطلبات، تستنى التخفيضات، تبص على العروض، فيه حيل حياتية كتير بتلجأ لها الست المصرية، وهى تستحق كل التقدير».
وتوضح أن الجيل الجديد من الفتيات عليه مسئولية مضاعفة، لازم يعرفوا إنهم مش هيقدروا يعيشوا أكبر من قدراتهم، مهم جدًا نربيهم على الواقعية، وعلى فهم قيمة كل شيء.
وتضيف «خضر» أن التوازن النفسى يبدأ من الوعى المجتمعي: «لازم نرجع نقول للناس إن البساطة مش عيب، وإن التخلى عن الكماليات مش فشل، لازم نعلم بناتنا وأولادنا يعنى إيه اقتصاد، يعنى إيه ترتيب أولويات، لازم نرجع نحكى لهم عن الأزمات اللى مرينا بيها زمان، وإزاى كنا بنعيش بأقل الإمكانيات لكن بروح حلوة ورضا».
وتختم حديثها قائلة: «فى وسط كل ده، أنا عندى أمل كبير. المصريين عندهم قدرة عجيبة على التكيّف، أشوف ستات بتعيش بأبسط الأشياء، لكن تخلق جو من الدفء فى بيتها. دايمًا عندهم فكرة جديدة، أو وصفة جديدة، أو طريقة لتدبير الأمور. هما فعلًا عمود البيت، وبدونهم المجتمع ده مايستمرش، والأمل الحقيقى هو فى إعادة بناء الوعى، لأن التغيير يبدأ من الفهم».
(المدبرة ليست بخيلة)
من جانبه، أكد د. وليد هندى، استشارى الصحة النفسية، أنه فى ظل الضغوط الاقتصادية التى تعصف بالبيوت المصرية، وتغير أنماط المعيشة، برز دور المرأة كعقل مدبر وأساس متين لضبط النفقات وتدبير شئون المنزل.
وتابع فى تصريحات خاصة لـ «الوفد» أن المرأة المدبرة ليست فقط ربة منزل ماهرة، بل هى شخصية متزنة نفسيًا، تمتلك من الحكمة والتنظيم الذهنى ما يجعلها قادرة على تحقيق معادلة «الكفاية فى ظل القلة».
يقول د. هندي: إن الزوجة المدبرة ليست نتاج زواج، بل هى فى الأساس فتاة مدبرة، تدير مصروفها الشخصى بحكمة، ويشير إلى أن المرأة المنظمة ذهنيًا تكون أكثر استقرارًا فى سلوكياتها، وأقل عرضة للتقلبات، وهى نموذج نادر لكنه موجود، يُبنى منذ الطفولة ويتعزز بالممارسة.
يرى د. وليد أن هناك فرقًا جوهريًا بين البخل والتدبير، فالبخيل يختزن المال بدافع الخوف أو التملك، أما المدبرة فهى من تصنع فائضًا من القليل، وتوجه الموارد بما يضمن الكرامة والاكتفاء. ويؤكد: «الزوجة المدبرة قد تختزن فارق السعر، لكنها لا تفعل ذلك لأنانية، بل لأنها تخطط، تضع فى حسبانها فاتورة الكهرباء التى قد تأتى فجأة، أو دواء للطفل، أو رحلة مدرسية مفاجئة».
ويضرب مثلًا: «إذا أعطاها الزوج 100 جنيه، واشترت احتياجات بـ96، فهى تحتفظ بالأربعة الباقية كتحويشة صغيرة، تُنقذ بها الموقف فى وقت الأزمة، ولا مانع أن تجمع خمسة جنيهات اليوم وعشرة الأسبوع المقبل لتشترى بها شيئًا مفيدًا للأسرة».
أفكار للنجاة
ويقدم د. وليد هندى مجموعة من الأفكار التى تلجأ إليها النساء المصريات لتجاوز الظروف الاقتصادية دون أن يُخدش كرامة الأسرة منها: التسوق الذكي: لافتا إلى أن كثير من النساء أصبحن يعتمدن على شراء الاحتياجات من الأسواق الشعبية أو «العروض الأسبوعية» فى المتاجر الكبرى. البعض يخصص «يومًا شهريًا» للخزين، يشتركن فيه مع نساء أخريات للشراء بالجملة، ما يوفر كثيرًا.
والطبخ بالتدوير: لم تعد المرأة تلقى بقايا الطعام. بدلًا من التخلص من الأرز أو اللحوم المتبقية، تعيد تدويرها فى وجبة جديدة مثل الكفتة، أو فطائر محشوة، أو شوربة غنية.
وتقنين استهلاك الطاقة: بعض الأسر تتبع قواعد لترشيد استهلاك الكهرباء والغاز، مثل استخدام السخان فى أوقات محددة، أو الاعتماد على ضوء الشمس نهارًا بدل الإضاءة الصناعية.
صندوق الطوارئ: يقول إن زوجات كثيرات أصبحن يخصصن جزءًا من المصروف الشهرى، ولو بسيطًا، لصندوق خاص يتم الرجوع إليه فى الحالات المفاجئة، كمرض الطفل أو أعطال المنزل.
كما يؤكد د. وليد أن تخصيص مصروف شخصى للزوجة، حتى وإن كانت لا تعمل، أمر فى غاية الأهمية، لأنه ينعكس على تقديرها لذاتها، ويمنحها استقلالية نفسية. يقول: «حتى لو كان الزوج دخله محدودًا، عليه أن يمنح زوجته مصروفًا خاصًا، ولو بسيطًا. هذا يشعرها بأنها ليست مجرد تابع بل شريك فى الحياة. والمرأة الحكيمة لن تسيء استخدامه، بل ستدير به شئونها وتخفف الحمل عن الزوج نفسه.»
يوضح د. وليد أن المرأة الذكية تمثل عامل توازن داخل المنزل، مؤكدًا أن الزوجة المدبرة ليست فقط مسئولة عن المطبخ، بل عن توازن الأسرة نفسيًا واقتصاديًا. فهى القادرة على خلق أمان مادى من موارد محدودة، وعلى إخفاء ألم الغلاء بابتسامة، وعلى احتواء ضغوط الزوج والأبناء بذكاء عاطفى وحكمة اقتصادية.