ذلك الاهتمام المبالغ فيه وغير المسبوق بمصطلح الذكاء الاصطناعى فى دراسات الإعلام يثير القلق والريبة والشك، لأن مفهوم الإعلام وتعريفه العلمى هو وسائل تواصل بين المعرفة والمتلقى أو ما يسمى الجمهور، سواء القارئ أو المستمع أو المشاهد، وحاليًا المستخدم لوسائل التواصل الحديثة، إذ أن الإعلام فى تعريفه العلمى ما هو إلا علم ودراسة تعتمد على معارف أخرى وثقافات وعلوم متعددة، والجديد فيها هو أن الوسائل أو الوسائط الحديثة التى يستخدمها الإعلام أو الإعلامى قد تطورت وأتاحت تلك العلوم والمعارف عبر وسائط إعلامية حديثة للجمهور، سواء المتعلم أو غير المتعلم، ومن ثم أصبح العديد من البسطاء وحتى الأطفال يستخدمون تلك الوسائل التقنية الحديثة للتواصل الاجتماعى، ويخرجون وينتجون محتوى إعلاميًا معظمه غث رديء؛ ومع هذا يلقى رواجًا ويحقق جماهيرية زائفة ونسب مشاهدة عالية.
وفى الآونة الأخيرة تنافست المؤتمرات العلمية والأكاديمية، خاصة تخصصات الإعلام، فى طرح وعرض ومناقشة موضوعات استخدامات الذكاء الاصطناعى وما يسمى الواقع الافتراضى أو الواقع المعزز وغيرها من المصطلحات الحديثة الخاصة بالخيال العلمى والشبكات السوداء أو «الدارك ويب»، وذلك الغموض والسحر والخوف المحفوف بالمخاطر والقابع داخل تلك المصطلحات والوسائل الحديثة المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعى.. وحتى الآن لم تصدر قوانين صريحة تضبط معايير وقواعد التعامل مع الإعلام الجديد.. فهل النشر أم إعادة النشر جريمة يعاقب عليها القانون؟ وهل البث السيئ والمشاهد الخارجة واستغلال الأطفال على المنصات الإعلامية الجديدة والشخصية توجد له نصوص صريحة تخص قانون النشر الإلكتروني؟ وهل القضية الإعلامية تطال المستخدم للوسيلة أم أنها تخص الإعلامى أو الناشر فقط؟ وهناك مئات من الإشكاليات التى ما زلنا وما زال القانون الحالى قاصرًا عن متابعتها وإصدار قوانين جديدة حاسمة واضحة يدرسها طلاب الإعلام والأساتذة وتطرح للرأى العام حتى لا يقع أحد ضحية الجهل بالمستجدات الإجرائية للقانون الإعلامى الذى ما زال قيد الإعداد والبحث والدراسة، وهو أهم من كل الذكاء الاصطناعى.
ومن ثم فإن الذكاء الاصطناعى يحتاج قبل كل هذا الاهتمام إلى صناعة المحتوى وإلى تعزيز الدراسات الإعلامية بالتوازى مع الدراسات الثقافية واللغوية والفكرية من فلسفة وعلم نفس وتاريخ وأدب واقتصاد وعلوم حديثة فى مجالات عدة، وأيضًا دراسات قانونية، لأن الإعلام يظل هو ذلك الاستخدام الأمثل للتواصل والوسائل الحديثة، مما يعنى أن المضمون والمحتوى هما الجوهر والأساس الذى يشكل الإعلام، والذكاء الاصطناعى ما هو إلا إنتاج محتوى من جهات وأفرع ومنافذ ومصادر متعددة ومختلفة، استطاعت التكنولوجيا الخوارزميات الإلكترونية أن تصهرها فى بوتقة تسمى الذكاء الاصطناعى.. فإذا لم يكن دارس الإعلام وممارس الإعلام له خلفية فكرية ودراسة متكاملة علمية تعتمد على الفكر واللغة والمضمون، ثم بعد ذلك تأتى أهمية الوسيلة المستخدمة للاتصال، فإننا سوف نواجه أزمة كبيرة فى المستقبل القريب بعد أن عزف العديد من الطلاب عن الالتحاق بأقسام الصحافة واتجهوا إلى الإعلام الرقمى والإعلان والتسويق ومغريات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى.. سوف يأتى يومًا لا نجد إعلاميًا أو كاتبًا أو مثقفًا يغير ويشكل الرأى العام، وإنما سوف نعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى وذلك المحتوى المفروض علينا والفكر الذى يجب أن نسوق له ونفقد الرؤية والبوصلة.. الإعلام علم ومحتوى وليس فقط وسيلة واصطناع.. إنها قضية تحتاج إلى نقاش ودراسة وتكاتف كل أهل العلم والخبرة والقانون، فلن ينفعنا أى ذكاء وإنما سيتحكم فينا الغباء، ولن نكون على قدر ما يجرى حولنا من متغيرات تحتاج إلى ذكاء وإعلام حقيقى وليس إعلامًا اصطناعيًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض